في محاولة جديدة لإعادة إحياء مشروع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى تغيير المصطلحات المستخدمة لتسويق خطتها، مستبدلةً ما كانت تسميه سابقًا “الهجرة الطوعية” بمسمى “حرية التنقل”، في خطوة تعكس مساعيها لتجاوز الرفض الدولي المتزايد وإضفاء طابع أكثر قبولًا على مشروع يواجه اتهامات بأنه يهدف إلى فرض تهجير قسري للسكان.
ويأتي هذا التحرك في وقت يسري فيه اتفاق لوقف إطلاق النار منذ العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينما تواصل قوات الاحتلال عملياتها العسكرية وتوسيع سيطرتها الميدانية داخل قطاع غزة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ارتباط هذه التحركات السياسية بالوقائع التي يجري فرضها على الأرض.
وكشفت القناة 13 العبرية أن الاحتلال أصدر تعليمات إلى مسؤولي الأجهزة الأمنية وجهاز الموساد بالتوقف عن استخدام مصطلح “الهجرة الطوعية” في جميع المداولات والاستدعاءات الرسمية، واعتماد تسمية جديدة هي “خطة حرية التنقل”.
وبحسب القناة، جاء القرار عقب انتقادات دولية واسعة للمصطلح السابق، الذي اعتُبر غطاءً لسياسة تهجير قسري، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى رفض التعاون مع الاحتلال أو استقبال فلسطينيين من قطاع غزة.
وأضافت أن الاتصالات الجارية مع عدد من الدول أظهرت اعتقاداً لدى المسؤولين الإسرائيليين بأن تغيير المصطلحات قد يفتح الباب أمام مواقف أكثر مرونة، بما يسمح بإعادة طرح المشروع بعد تعثره خلال الأشهر الماضية.
وفي السياق ذاته، نقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب معنية بقيادة عملية تؤدي إلى مغادرة أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين قطاع غزة، باعتبار أن ذلك سيخدم أي ترتيبات مستقبلية يجري إعدادها للقطاع.
وتعكس هذه التصريحات، وفق مراقبين، استمرار الرؤية الإسرائيلية القائمة على تقليص الوجود الفلسطيني في غزة، مع محاولة إعادة صياغة المشروع بلغة سياسية وقانونية أقل إثارة للرفض الدولي.
اجتماعات أمنية
وتزامناً مع ذلك، كشفت صحيفة “هآرتس” أن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجديد شموئيل بن عزرا عقد اجتماعاً عاجلاً مع ممثلين عن المؤسسة الأمنية لبحث ملف تهجير سكان قطاع غزة.
وأقرت قيادات في جهاز الموساد خلال الاجتماع، بحسب الصحيفة، بصعوبة تنفيذ الخطة في ظل عدم نجاح إسرائيل في إيجاد أي دولة توافق على استقبال الفلسطينيين من القطاع، رغم الاتصالات التي أجريت خلال الأشهر الماضية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الملف كان مجمداً منذ فترة، قبل أن يعاد فتحه بصورة مفاجئة، في مؤشر على استمرار اهتمام المستوى السياسي الإسرائيلي بدفع المشروع رغم العقبات التي تواجهه.
وسبق أن تحدثت تقارير إسرائيلية عن اتصالات مع عدة دول وأقاليم، بينها الكونغو الديمقراطية وأرض الصومال، دون تحقيق أي تقدم فعلي في هذا المسار.
وقائع ميدانية
بالتوازي مع هذه التحركات السياسية، تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وسط تصاعد القصف واستمرار عمليات التجريف وتوسيع السيطرة العسكرية على مناطق مختلفة، لا سيما وسط القطاع وجنوبه.
كما أدى الإغلاق المفاجئ لمعبر رفح أمام سفر الجرحى والمرضى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل توقف عمليات الإجلاء الطبي، ما يهدد حياة آلاف المرضى الذين ينتظرون العلاج خارج القطاع.
وتحذر مؤسسات دولية من أن استمرار الحصار وتدمير البنية التحتية ونقص الغذاء والدواء ومياه الشرب يدفع الأوضاع الإنسانية نحو مستويات غير مسبوقة، مع ازدياد مخاطر انتشار الأمراض وانهيار الخدمات الأساسية.
ويؤكد الفلسطينيون في قطاع غزة تمسكهم بالبقاء في أرضهم، رافضين مشاريع التهجير بمختلف مسمياتها، في حين يرى مراقبون أن تغيير المصطلحات لا يبدل جوهر المشروع، بل يعكس محاولة للالتفاف على الرفض الدولي والتحديات القانونية التي تواجهه، في وقت تتواصل فيه الحرب وما تفرضه من وقائع ميدانية وإنسانية معقدة.
المصدر : وكالات.



