مقالات

في الذكرى السنوية لاستشهاد الشيخ صالح حنتوس.. من الشاوري إلى حنتوس.. تاريخ من استهداف العلماء وإعادة إنتاج العنف

الكاتب | مجيب الحميدي


في مثل هذه الأيام من العام الماضي، فُجع اليمنيون بجريمة تصفية الشيخ الحافظ صالح حنتوس في منزله وعقر داره. ولم تكن جريمة قتل الشيخ حنتوس حادثةً معزولة عن سياق ثقافة التكفير والقتل واستباحة الدماء والأموال والأعراض، تلك الثقافة المشهورة في السلوك الهادوي الجارودي. فكل منتفخ بنفخة “أنا خير منه” لن تسعه الدنيا دون أن يلطخ يديه بدماء أخيه الذي يتجرأ على التطاول على “الأسياد”، ويُجاهر بحقيقة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأن الله إنما يتقبل من المتقين. وكما قررت الهادوية الجارودية تصفية الوجود العلمي للمذاهب الإسلامية المخالفة لها -حتى داخل المذهب الزيدي نفسها المطرفية نموذجًا- فقد قامت أيضاً بتصفية الطبقة العلمية الفقهية للمذاهب الحنفية والمالكية والشافعية في صنعاء وصعدة وحجة. فقد قضت فتاوى الهادوية الجارودية بأن كل من يخالف في إمامة “البطنين” فهو كافر مباح الدم والمال، ووصلت بهم الجرأة إلى المجاهرة باستباحة سبي النساء، وكل ذلك لمن لا جريمة له إلا محاربة بدعة الإمامة العنصرية، والقول بأن إمامة الأمة حق تملكه الأمة، يقوم على الشورى والاختيار. جريمة طازجة امتداد لسلوك بنيوي وتاريخي إن الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق الشيخ صالح حنتوس لم تكن وليدة اللحظة بقدر ما هي امتداد لسلوك بنيوي وتاريخي مستقر في العقلية الهادوية الجارودية. وإذا كان حنتوس هو الضحية المعاصرة لآلة القمع السلالية، فإن الذاكرة اليمنية والشواهد التاريخية تعود بنا إلى جرائم كثيرة لعلى أشبهها بجريمة قتل الشيخ صالح ما حدث قبل ستة قرون في حادثة إعدام الفقيه الشافعي” الشهيد أبو العباس أحمد بن زيد بن علي بن حسن بن عطية الشاوري” سنة (793 هـ) في محافظة حجة. شهادة المؤرخ الزبيدي حول جريمة قتل الفقيه السافعي أبو العباس الشاوري وقد حفظت لنا كتب التراجم، وفي مقدمتها كتاب “طبقات الخواص أهل الصدق والإخلاص” لزين الدين الزبيدي (ت 893 هـ)، تفاصيل المأساة التي تعرض لها الفقيه الشاوري. يصفه الزبيدي بأنه كان: “فقيهًا، عالمًا، عاملًا، كاملًا، عابدًا، زاهدًا، شديد الورع، شافعي المذهب، مسموع الكلمة، مطاعًا في قومه، يبذل نفسه لتعليم طلاب العلم، وقائماً بكفايتهم والإنفاق عليهم، حتى غدا مرجعاً دينياً واجتماعياً يؤمه الناس ويودعون عنده أموالهم ومدخراتهم؛ ثقةً بأمانته وورعه وتقواه” غير أن هذه المكانة الروحية والاجتماعية لم تكن لتمر دون أن تثير حفيظة الطاغية الإمام محمد بن علي الهدوي الملقب بـ “صلاح الدين”؛ فقد كان الفقيه الشاوري صوتًا يصدع بالحقيقة الدينية التي عرفتها اليمن في القرون الأولى وصنّف رسالة تدعو إلى لزوم السنة وتحذر من البدع الوافدة التي جلبت الفتن وسفك الدماء والفساد في الأرض. ويروي الزبيدي في كتابه “طبقات الخواص” أن الإمام محمد بن علي الهدوي الملقب بـ”صلاح الدين لم يحتمل الكلمة الحرة، فخرج إليه في جيش عرمرم وعسكر كثير، وداهموا منزله بأطراف حجة، وقتلوا الفقيه أحمد بن زيد، وولده أبا بكر، وجماعة من أهله وأصحابه “من غير قتال منهم، بل ظلماً وعدواناً” ولم تكتفِ الحملة بالتصفية الجسدية، فقد كافأ الإمام جنوده بإباحة نهب البلدة نهبًا عظيمًا واستولي على الأموال، بما فيها الأمانات والودائع الجليلة التي تركها الناس عند الفقيه الشاوري ثقة بأمانته وإيمانه. في تطبيق عملي سافر لفلسفة “الفيء” التي قعّد لها فقهاء البلاط الإمامي في رسائلهم كرسالة “إرشاد السامع في جواز أخذ أموال الشوافع”. إن الأهمية المنهجية لموقف الفقيه الشاوري تكمن في أنه يوضح كيف تجتاح خرافة الجهل المدججة بالسلاح وخرفان الأمية حواضر العلم؛ فالمشروع الإمامي استهدف عالمًا لم يحمل سلاحًا وإنما حمل قلمًا يدافع به عن معتقده، ويبني به وعيًا مجتمعيًا قادرًا على نسف خرافة الحق الإلهي السلالي. العقوبة المعجلة والضمير اليمني المقاوم وتنقل بعض كتب التراجم ما لحق بالطاغية صلاح الدين الهدوي من عقوبة إلهية معجلة بعد سفكه لدماء الأبرياء؛ فلم يمهله القدر بعد مجزرة بني شاور سوى نحو شهر واحد، حتى ركب بغلة له فنفرت به، وسقط على إثرها، وتعلقت رجله بالركاب فجرّته البغلة على الأرض بعنف حتى شارف على الهلاك. ويذكر المؤرخون أنه سُئل وهو على فراش موته -عليلاً من جراحه- عن سبب نفرة بغلته الفجائية، فقال مرعوباً: “رأيت الفقيه أحمد بن زيد طعن البغلة في وجهها بإصبعه”. مات الطاغية بعد أيام قلائل، مخلفاً وراءه غليانًا شعبيًا وسخطًا عامًا، ورحل الشهيد الشاوري تودعه قلوبُ مفجوعة وقصائد ومراثي تخلد هذه المظلومية في وجدان الذاكرة اليمنية. وكان على رأس من بكى الفقيه المغدور به، فقيه فقهاء الشافعية في عصره، العلامة المبدع صاحب الشرف الوافي، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري، الذي وجه مرثيته اللاذعة مباشرة إلى الطاغية صلاح الدين، متنبئاً بنهايته وسقوط مشروعه: أَراني اللَهُ رَأسَكَ يا صَلاحُ … تُداوِلُهُ الأَسِنَّةُ وَالرِّماحُ لَقَد أَطفَأتَ لِلإِسلامِ نوراً … يُضيءُ العِلمُ مِنهُ وَالصَلاحُ فَتَكتَ بِأَولِياءِ اللَهِ بَغياً … وَعُدواناً وَلَجَّ بِكَ الجِماحُ فَتَكتَ بِأَحمدٍ فَانْهَدَّ رُكنٌ … مِنَ الإيمانِ وَانقَرَضَ السَماحُ فَلا تَفرَح بِسَفكِ دَمِ اِبنِ زَيدٍ … فَما يُرجى لِقاتِلِهِ فَلاحُ من التاريخ إلى الحاضر: ذات الجريمة وذات السلالة إن هذه المفارقة الزمنية الصادمة -بين جريمة ارتكبت قبل ستة قرون بحق أحمد بن زيد الشاوري، وجريمة أُعيد إنتاجها في مثل هذه الأيام من العام الماضي بحق صالح حنتوس- تؤكد أننا لا نقرأ الماضي للتسلية بقدر ما نؤكد على أهمية تفكيك البنية الأيديولوجية الكامنة وراء الممارسة السياسية المعاصرة في اليمن التي تعيد إنتاج دورات العنف وتورد الناس المهالك وتهلك الحرث والنسل وتعرقل كل مشاريع الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي. إن ما فعله الإمام الهدوي في مخلاف حجة أواخر القرن الثامن الهجري، هو ذاته ما تفعله المليشيا الحوثية اليوم في ريمة وإب والبيضاء وحجة، وفي كل شبر تصل إليه أيديهم في القرن الحادي والعشرين. كلاهما رأى في الكلمة خطراً وجودياً، وفي التعليم والوعي تهديداً قاتلاً لأسطورة التميز العرقي؛ وكلاهما جرد الحملات العسكرية، وهدم الدور، وقتل الفقهاء والمعلمين، ونهب الودائع، واختطف الأقارب والطلاب. إن الجماعات السلالية لا تطيق معلماً للقرآن أو فقيهاً للشريعة والمواطنة إذا لم يكن مروّضاً وتابعاً لها؛ لأنها تدرك أن السلاح يمكن مواجهته بالسلاح، لكن الفكرة الحرة العادلة التي تُعلّم الأطفال أن الناس متساوون كأسنان المشط، تنسف من الجذور الأساس الذي بُنيت عليه عقيدتهم السياسية القائمة على الاستعباد والفرز الطبقي…