تقارير

حين فقدت الجامعة دورها.. كيف أدى انهيار التعليم العالي في مناطق سيطرة الحوثيين إلى طرد الشباب من مقاعد الدراسة؟

تقرير خاص

لم يعد طريق الجامعة في صنعاء ومدن يمنية أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين الطريق الطبيعي الذي يسلكه آلاف الشباب بحثًا عن مستقبل أفضل كما كان في السابق. فبينما كانت الشهادة الجامعية تمثل حلمًا عائليًا ومجتمعيًا، تحولت خلال سنوات الحرب إلى خيار محفوف بالمخاطر بالنسبة لكثير من الأسر التي باتت تقارن بين تكلفة الدراسة واحتمالات الحصول على فرصة عمل بعد التخرج.

كان زياد عبدالله واحدًا من آلاف الشباب الذين تغيرت أحلامهم تحت ضغط الواقع. أنهى المرحلة الثانوية وهو يخطط للالتحاق بالجامعة، لكنه وجد نفسه أمام حسابات مختلفة فرضتها الظروف الاقتصادية. سنوات دراسة طويلة، تكاليف مواصلات وكتب ورسوم، ثم سؤال أكثر صعوبة: ماذا بعد التخرج؟

اختار زياد العمل في بيع الهواتف المستعملة بأحد أسواق صنعاء، لأن الدخل اليومي أصبح بالنسبة له ولأسرته أكثر إلحاحًا من شهادة قد لا تفتح له بابًا في سوق عمل يعاني أصلًا من الانكماش.

قصة زياد، كما ترويها شهادات طلاب نقلتها وسائل إعلام محلية، تختصر جانبًا من أزمة أوسع تضرب التعليم العالي في مناطق سيطرة الحوثيين؛ أزمة لا ترتبط فقط بانخفاض أعداد الطلاب، بل بتراجع الثقة بالجامعة نفسها باعتبارها طريقًا مضمونًا للارتقاء الاجتماعي.

فخلال السنوات الماضية، شهدت عدد من الجامعات والكليات تراجعًا ملحوظًا في الإقبال، وأصبحت بعض الأقسام التي كانت تستقبل مئات الطلاب سنويًا تواجه أعدادًا محدودة من المتقدمين. وتشير تقارير صحفية ومصادر أكاديمية إلى أن بعض كليات جامعة صنعاء، وهي أكبر الجامعات اليمنية، سجلت انخفاضًا كبيرًا في أعداد الملتحقين، خصوصًا في بعض التخصصات الإنسانية والتربوية والزراعية.

ويرى أكاديميون أن هذا التراجع لا يمكن تفسيره بسبب واحد، بل نتيجة تراكمات طويلة بدأت مع الحرب، ثم تفاقمت مع الانهيار الاقتصادي، وتوقف التوظيف، وتراجع مستوى الدخل، وتغير نظرة الشباب إلى قيمة الشهادة الجامعية.

شهادة بلا مستقبل

لطالما ارتبط التعليم الجامعي في اليمن بفكرة الاستقرار. كان الطالب يدخل الجامعة وهو يعتقد أن سنوات الدراسة ستقوده في النهاية إلى وظيفة أو فرصة أفضل. لكن هذه العلاقة تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

آلاف الخريجين وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام واقع مختلف؛ شهادات معلقة، فرص محدودة، وأعمال لا ترتبط بما درسوه. بعضهم اضطر إلى السفر بحثًا عن مصدر دخل، وبعضهم قبل بأعمال بعيدة عن تخصصه، فيما قرر آخرون عدم خوض التجربة من الأساس.

يقول مختصون إن المشكلة لم تعد في رغبة الشباب بالتعلم، بل في السؤال الذي أصبح يسبق قرار الالتحاق بالجامعة: هل ستغير الشهادة شيئًا في حياتي؟

هذا السؤال دفع كثيرين إلى البحث عن خيارات أخرى. فبعض الشباب بات يفضل تعلم مهارات عملية أو الدخول إلى سوق العمل مبكرًا بدل قضاء سنوات في تخصص لا يضمن له فرصة بعد التخرج.

وفي المقابل، تغيرت خريطة الإقبال على التخصصات الجامعية. فالتخصصات المرتبطة بالتقنية والبرمجة وبعض المجالات الطبية ما زالت تحافظ على قدر من الجاذبية بسبب فرص العمل الخارجية، بينما تراجعت تخصصات أخرى بسبب ضعف فرصها الوظيفية.

لكن أزمة التعليم العالي لا تتوقف عند الطلاب، فالمؤسسات نفسها تعرضت خلال سنوات الحرب لضغوط كبيرة أثرت على قدرتها على أداء دورها الأكاديمي.

هجرة العقول

لم تخسر الجامعات اليمنية الطلاب فقط، بل خسرت أيضًا جزءًا من كوادرها العلمية.فالأستاذ الجامعي الذي كان يفترض أن يكون محرك البحث العلمي وصانع المعرفة وجد نفسه أمام ظروف معيشية صعبة دفعت كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو مغادرة البلاد.

غادر عدد من الأكاديميين اليمنيين إلى الخارج بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا، والتحق بعضهم بجامعات ومراكز بحثية خارج اليمن، بينما اضطر آخرون إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم بسبب تدهور الوضع الاقتصادي.

ويرى باحثون أن هجرة الأكاديميين تمثل خسارة طويلة الأمد، لأن الجامعة لا تعتمد فقط على مبانيها وقاعاتها، بل على الخبرات التي تراكمت عبر سنوات.

ومع غياب هذه الخبرات، تتراجع فرص تطوير المناهج، وضعف البحث العلمي، وتقل قدرة الجامعات على المنافسة إقليميًا.

نفوذ سياسي

إلى جانب الأزمة الاقتصادية، تواجه الجامعات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين انتقادات تتعلق بتزايد التدخلات السياسية في العمل الأكاديمي.

وتشير تقارير صحفية وشهادات أكاديميين إلى حدوث تغييرات في إدارات جامعية، وتعيين شخصيات محسوبة على الجماعة في مواقع قيادية داخل مؤسسات التعليم العالي، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن استقلال القرار الأكاديمي.

ويرى منتقدون أن الجامعة عندما تفقد استقلالها تتحول من مساحة لإنتاج المعرفة إلى مساحة للصراع السياسي، وهو ما يؤثر على الطلاب والأساتذة والعملية التعليمية بشكل عام.

كما تحدثت مصادر أكاديمية عن تأثير الأنشطة السياسية والتعبوية داخل بعض المؤسسات التعليمية، معتبرة أن ذلك يغير وظيفة الجامعة من مؤسسة علمية إلى أداة نفوذ اجتماعي.

أزمة الشهادات

خلال الفترة الأخيرة أثارت قضايا حصول شخصيات قيادية حوثية على شهادات عليا جدلًا واسعًا في الأوساط اليمنية.وكان إعلان حصول مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين، على درجة الماجستير من جامعة صنعاء قد أثار انتقادات وتساؤلات من أكاديميين حول إجراءات المناقشة ومكان انعقادها، وفق ما نقلته وسائل إعلام.

كما نشرت وسائل إعلام أخرى تقارير عن اتهامات بوجود مخالفات مرتبطة بمنح شهادات جامعية لبعض القيادات والموالين للجماعة، وهي اتهامات تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وردود رسمية من الجهات المعنية.

ويرى أكاديميون أن مجرد استمرار الجدل حول نزاهة بعض الشهادات يضر بسمعة الجامعات اليمنية، لأن قيمة الشهادة لا تقوم فقط على الورق، بل على الثقة بالمعايير التي منحت على أساسها.

جامعة إب

برزت جامعة إب خلال الفترة الأخيرة كنموذج للجدل حول واقع التعليم الجامعي في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد تقارير صحفية تحدثت عن منح درجة ماجستير لأحد القيادات الحوثية دون حضور الدراسة والامتحانات، وفق مصادر أكاديمية نقلت عنها تلك التقارير.

وأثارت القضية تساؤلات حول الرقابة الأكاديمية، وآليات الحضور والامتحانات، ودور مجالس الأقسام والكليات في ضمان تطبيق اللوائح.وفي حال ثبوت مثل هذه الممارسات، فإن أثرها لا يتوقف عند حالة فردية، بل يمتد إلى صورة الجامعة وثقة الطلاب والمجتمع بها.فالجامعة التي لا تحافظ على معاييرها الأكاديمية تخسر أهم رأس مال تملكه: السمعة.

مستقبل مجهول

بين طالب يترك الجامعة بحثًا عن لقمة العيش، وأستاذ يغادر بحثًا عن الاستقرار، ومؤسسات تواجه أزمة ثقة، يبدو التعليم العالي في اليمن أمام تحديات غير مسبوقة.

الأزمة ليست فقط في عدد المقاعد الجامعية أو أعداد المقبولين، بل في مستقبل جيل كامل قد يجد نفسه بعيدًا عن التعليم والبحث العلمي بسبب ظروف فرضتها الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي.

ويحذر متخصصون من أن خسارة التعليم اليوم ستظهر آثارها في المستقبل، عندما تحتاج البلاد إلى أطباء ومهندسين وباحثين ومدرسين لإعادة البناء.

فالجامعة ليست مجرد مكان للدراسة، بل مصنع الكفاءات التي تقوم عليها الدول.وكلما ابتعد الشباب عن مقاعدها، وتراجعت مكانة العلم داخل المجتمع، اتسعت الفجوة بين اليمن ومستقبل يحتاج فيه إلى كل طاقاته البشرية.