بقلم:فؤاد مسعد
في مشهد يتكرر كل عام، احتفلت مليشيا الحوثي الإرهابية بما تسميه “عيد الولاية”، وهو احتفال يحمل في مضمونه أكثر من مجرد طقس ديني، إنه إعلان سياسي مغطى برداء عقائدي، يسعى إلى إعادة تعريف السلطة في اليمن على أساس سلالي ضيق. وبينما يُقدَّم هذا المفهوم بوصفه امتداداً لمرجعية إسلامية، فإن التمحيص الشرعي والفقهي، فضلاً عن القراءة الواقعية، يكشفان أنه بناء أيديولوجي حديث، يوظف الدين لخدمة مشروع سلالي عنصري يقوم على احتكار السلطة.
وتقوم فكرة “الولاية” كما تروج لها المليشيا على حصر الحكم في ذرية الإمام علي بن أبي طالب، وتحديداً من نسل زوجته فاطمة الزهراء. ويُستند في ذلك إلى تأويل خاص لبعض النصوص الدينية، أبرزها حديث “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”، والذي يتم تقديمه باعتباره نصاً صريحاً على أحقية الإمام علي وذريته بالحكم. غير أن هذا التأويل يواجه إشكالات جوهرية. فغالبية علماء السنة، بل وحتى قطاع معتبر من علماء الزيدية تاريخياً، لا يرون في الحديث المذكور دلالة على “الولاية السياسية” بالمعنى الذي تطرحه المليشيا، وإنما على المحبة والنصرة. كما أن مفهوم “الولاية” بمعناه السياسي لم يكن محل إجماع حتى داخل التراث الإسلامي نفسه، حيث شهدت مسألة الخلافة منذ بدايتها تعددية في الاجتهادات، ولم تُحسم بنص قطعي يُلزم المسلمين بحصرها في سلالة بعينها.
من الناحية الفقهية يقوم النظام السياسي في الإسلام—وفق أغلب المدارس—على مبدأ “الشورى”، لا الوراثة السلالية. وقد تم اختيار الخلفاء الراشدين بطرق مختلفة، لم يكن أي منها قائماً على حصر الحكم في نسب معين أو سلالة محددة. ولو كان هذا الحصر أصلاً من أصول الدين، لكان أولى أن يُنص عليه صراحة في القرآن أو السنة المتواترة، وهو ما لم يحدث.
بل إن التجربة التاريخية نفسها تنقض هذا الادعاء، إذ لم يشهد التاريخ الإسلامي إجماعاً عملياً على حصر الحكم في نسل معين، حتى في الفترات التي حكمت فيها أسر هاشمية أو علوية. وكانت السلطة تُكتسب غالباً بالقوة أو البيعة السياسية، لا بمجرد الانتساب العائلي.
أما من الناحية الواقعية، فإن فكرة “الولاية السلالية” تصطدم بجوهر الدولة الحديثة، التي تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية. ففي عالم اليوم، لم يعد مقبولًا—لا أخلاقياً ولا سياسياً—أن تُمنح فئة حقاً حصرياً في الحكم بناءً على نسبها. ومثل هذا الطرح يعيد إنتاج أنماط الحكم البائدة التي قوضتها الثورة اليمنية الخالدة سبتمبر وأكتوبر، كما أن هذا الطرح البائس يقوض فكرة الدولة الوطنية لصالح بنية طبقية مغلقة، على حساب ملايين اليمنيين، سيكون عليهم القبول خاضعين لحكام السلالة التي يرون أنهم أحق بالسلطة والثروة والامتيازات.
وتبدو هذه الفكرة أكثر خطورة في الوقت الراهن وفي اليمن تحديداً. فاليمن مجتمع متنوع، تشكل عبر قرون من التفاعل بين قبائل ومناطق وثقافات متعددة. ومحاولة فرض “حق سلالي” في الحكم تعني، عملياً، إقصاء غالبية السكان وتحويلهم إلى رعايا من الدرجة العاشرة. وهذا ما يفسر حالة الرفض الشعبي الواسع لمثل هذه الخرافات التي تقوم على الدجل والتضليل، حتى داخل مناطق نفوذ المليشيا الإرهابية.
اللافت أن الخطاب الحوثي لا يكتفي بالترويج لفكرة الولاية بوصفها “حقاً”، بل يضفي عليها طابعاً دينياً مقدساً، بحيث يصبح الاعتراض عليها نوعاً من الخروج عن الدين. وهنا تكمن الخطورة الكبرى: تحويل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي، وتجريم المعارضة تحت غطاء ديني. وهذا الاستخدام للدين لا يخدم سوى ترسيخ سلطة مغلقة على الخرافة والتجويع والإرهاب، ويُفرغ القيم الإسلامية من مضمونها الأخلاقي القائم على العدل والمساواة.
ومن الناحية المنطقية، يطرح مفهوم “الولاية السلالية” إشكاليات يصعب تجاوزها. فإذا كان النسب معياراً للحكم، فما الضامن لكفاءة الحاكم أو عدالته؟ وهل يكفي الانتماء العائلي لتأهيل شخص لإدارة دولة معقدة؟ ثم ماذا عن بقية الشعب؟ أليس من حقه المشاركة في اختيار من يحكمه؟ هذه الأسئلة تكشف أن الفكرة، في جوهرها، لا تقوم على معايير موضوعية، بل على امتياز موروث أساسه الخرافة التي تنتعش في أوساط الفقر والجوع والمرض، ثلاثي الإجرام الإمامي عبر التاريخ.
في النهاية، تبدو “الولاية” الحوثية أقرب إلى أيديولوجيا سياسية منها إلى أصل ديني راسخ. إنها محاولة لإعادة صياغة السلطة في قالب ديني يمنحها شرعية مطلقة، ويحصنها من النقد والمساءلة. غير أن هذا الطرح، عند إخضاعه لمعيار الشرع والفقه والتاريخ والواقع، يتبين أنه هش، لأنه يقوم على تأويلات انتقائية، ويتعارض مع جوهر الدولة الحديثة ومبدأ المواطنة، ومع مبادئ وأهداف الثورة اليمنية التي ضحى من أجلها اليمنيون، وسقطت في سبيلها الدماء الغالية، وناضل الأحرار من أجلها عشرات السنين.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين “ولاية” وأخرى، بل بين مفهومين للدولة: دولة تقوم على الامتياز الوراثي، وأخرى تقوم على الإرادة الشعبية. وحقائق التاريخ—قديماً وحديثاً—تخبرنا أيهما أبقى وأعدل، وتؤكد أن الإرادة الشعبية ستنتصر كما انتصرت من قبل. وإن المشروع الوطني الجامع القائم على ا لشراكة والعدالة ويعيد الاعتبار للإنسان هو الطريق الوحيد لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب السلالي الغاشم الذي فتح على اليمن واليمنيين أبواب الجحيم منذ أكثر من 11 سنة
تفكيك خرافة الحق الإلهي في الحكم عند الحوثيين



