مقالات

نزيف الكفاءات.. حين يختار الشباب اليمني المنفى لأن الوطن لم يعد يتسع للأحلام*

مريم عامر

في ظل الحروب المستمرة منذ أكثر 11سنة، يعيش الشباب اليمني هجرة لم تعد رفاهية، بل صارت طوق نجاة، ومن خيار فردي لتحسين المعيشة إلى ظاهرة جماعية تشبه النزيف. آلاف الشباب يغادرون يوميًا نحو المجهول، تاركين خلفهم وطنًا أنهكته الصراعات والأزمات.

وقد تفاقم حجم الظاهرة والأرقام، لا توجد إحصاءات دقيقة، لكن هناك تقديرات منظمات دولية تشير إلى أن أكثر من 2 مليون يمني غادروا البلاد منذ 2015، %70 منهم شباب بين 18-35 سنة، وقد قصدوا دول الخليج السعودية وعمان عبر تأشيرات عمل أو زيارة ثم المخالفة.  

والبعض نحو مصر والأردن للدراسة أو كلاجئين، والبعض الآخر يتجه نحو أوروبا عبر طرق التهريب من ليبيا أو تركيا، ويعبرون من جيبوتي والصومال كمحطات عبور رغم خطورة البحر.

وتشير الأسباب التي دفعت بهم إلى الهجرة إلى وجود العامل الاقتصادي من حيث انهيار العملة، وانقطاع الرواتب، وبطالة تتجاوز %60 بين الشباب. وراتب الجندي 40 دولار شهريًا بينما هو يواجه إيجار منزله الذي يتجاوز 160دولارًا عدا عن احتياج الماء والغذاء وفاتورة الكهرباء وغير ذلك، وأيضا غياب أي أفق سياسي لحل النزاع.

أما بالنسبة لطرق الهجرة ومخاطرها فمن طريق عُمان بالتهريب عبر صحراء المهرة بـ 1500-800 دولار. وكثيرون يُحتجزون أو يُبتزون، أو من طريق البحر من سواحل حضرموت وشبوة إلى الصومال أو جيبوتي بقوارب متهالكة الغرق في رحلة موت شبه يومية، أو من طريق السعودية عبور الحدود تهريبًا، ويكون السجن والترحيل مصير أغلبهم.

ومن الآثار المترتبة على اليمن استنزاف العقول بهجرة الأطباء، والمهندسين، المعلمين. مستشفيات بلا كادر وجامعات بلا أساتذة تؤثر كثيرًا على البنية الاجتماعية لليمن. وأيضًا تفكك أسري؛ فآلاف الأسر تعيش بلا معيل، وزوجات وأطفال في انتظار حوالة قد لا تصل، وضياع الهوية؛ جيل كامل يكبر خارج اليمن، لا يعرف لهجته ولا تاريخه، وهذا ما يؤثر على البلد ويهدد نسيجه الاجتماعي.

والحل من أجل إيقاف هذه الظاهرة: أولاً إيقاف الحرب؛ فلا حل دون سلام يفتح مشاريع إعادة الإعمار ويعيد الثقة.

وثانيًا دعم المشاريع الصغيرة لتمويل الشباب بقروض ميسرة داخل اليمن بدل دفعهم للهجرة، وتحسين التعليم المهني وتدريب الشباب واتفاقيات عمل آمنة، وتنسيق الحكومة مع دول الخليج لفتح تأشيرات عمل نظامية تحفظ الكرامة.  والأهم توجه الخطاب الإعلامي المختلف لصحافة السلام لتسلط الضوء على قصص النجاح داخل اليمن، ولا تكتفي بنقل المآسي فقط.

هجرة الشباب اليمني ليست مجرد أرقام، هي خسارة وطن لمستقبله. كل شاب يغادر هو مصنع أو مدرسة أو مستشفى لن يُبنى. إيقاف هذا النزيف يبدأ بإنهاء الحرب، وإعادة الأمل بأن اليمن يمكن أن يكون وطنًا صالحًا للحياة، لا للموت أو الهروب.

*المقال الفائز بالمركز الرابع في مسابقة الوعل اليمني لأفضل مقال صحفي للعام 2026م