أخبار اليمن

تحقيقات دولية ومحلية تفكك شفرة “الاقتصاد الأسود” لمليشيا الحوثي في اليمن

نشر موقع وكالة خبر للأنباء تقريرا موسعا حول اقتصاد مليشيا الحوثي، الذي يتم تمويله من المخدرات المنتجه محليا أو المهربة، وفيما يلي نص التقرير:

تواجه الأجيال اليمنية حرباً ناعمة وممنهجة تقودها مليشيا الحوثي، التي حولت مناطق سيطرتها إلى بؤرة لإنتاج وتجارة السموم والمخدرات، بهدف تمويل حروبها وتدمير الطاقات الشابة في البلاد.

شهدت الأشهر والأيام الماضية تصاعداً غير مسبوق في تدفق المواد المخدرة شديدة الخطورة، وفي مقدمتها، مخدر الشبو والكبتاجون والهيروين، نحو مختلف المحافظات اليمنية، غير أن المؤشرات الميدانية والبيانات الاستخباراتية المتقاطعة، تؤكد أن المناطق الخاضعة، لسيطرة المليشيات الحوثية، باتت تشكل بؤرة الامتصاص والإنتاج والخلط الرئيسية لهذه السموم، فضلاً عن كونها المنطلق الأساسي لتهريبها نحو دول الجوار الإقليمي، ضمن استراتيجية تخريبية واسعة النطاق تشرف عليها قوى إقليمية حليفة للمليشيا.

الحوثي وشبكات التهريب الدولية 

تكشف المعطيات الميدانية والتقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الاستراتيجية، والأجهزة الأمنية، أن مليشيا الحوثي لم تعد مجرد مستفيد، هامشي من عوائد التهريب، بل أصبحت الطرف الرئيس الذي يدير ويحمي شبكات التجارة الدولية بالمخدرات داخل اليمن.

 وتؤكد المصادر الرسمية أن خطوط سير الشحنات الضخمة، التي يتم ضبطها بانتظام في المنافذ البرية والبحرية، مثل منفذ الوديعة وسواحل المهرة، وحضرموت والساحل الغربي، تنطلق أساساً من موانئ ومحطات إنتاج في إيران وباكستان وأفغانستان، لتجد في الموانئ والمنافذ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، كميناء الحديدة والصليف، ممرات آمنة بتسهيلات مباشرة من القيادات العليا للمليشيا.

إن إدارة هذا النشاط الإجرامي، لا تجري بشكل عشوائي، بل تخضع لإشراف مباشر من قيادات في الصف الأول للمليشيا الحوثية يشغلون مواقع حساسة في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للمليشيا. 

ووفقاً لتقارير متطابقة، فإن المليشيا قسمت مناطق سيطرتها إلى مربعات أمنية، مغلقة تمنح فيها حقوق الحماية والترويج لشخصيات، قبلية وعسكرية موالية لها، مما يوفر غطاءً أمنياً كاملاً للمهربين، ويمنع أي ملاحقة قضائية، أو أمنية حقيقية ضد الرؤوس الكبيرة، التي تدير هذا الاقتصاد المظلم.

الاقتصاد الأسود للمليشيا

مع تراجع مصادر الدخل التقليدية، واستمرار الجمود السياسي والعسكري، تحولت تجارة السموم والمؤثرات العقلية، إلى ما يُعرف بـ”الاقتصاد الأسود” الذي يعتمد عليه الحوثيون بشكل أساسي لتمويل جبهات القتال، وشراء الأسلحة المتطورة، ودفع رواتب مقاتليهم العقائديين. 

وتوضح دراسات حديثة، من بينها تقارير صادرة عن منظمات تابعة للأمم المتحدة والمبادرة العالمية لمكافحة، الجريمة المنظمة العابرة، للحدود الوطنية، أن مناطق سيطرة الحوثيين، تحولت من مجرد محطات عبور ترانزيت، للمخدرات إلى مراكز لإعادة الخلط والتعبئة، والإنتاج الجزئي، مستفيدة من غياب الرقابة القانونية، وانهيار مؤسسات الدولة.

إن عوائد مبيعات الحشيش الكشميري، ومخدر الشبو (الميثامفيتامين)، وملايين حبوب الكبتاجون، توفر للمليشيا تدفقات نقدية هائلة بالعملة الصعبة تتدفق خارج النظام المصرفي الرسمي، مما يتيح لها الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها والاحتفاظ بقدرات تمويلية ضخمة لإطالة أمد الصراع، وتهديد خطوط الملاحة الدولية، في البحر الأحمر وباب المندب، واستهداف المنشآت الحيوية في الداخل والخارج عبر الطائرات المسيرة والصواريخ المهربة.

مأساة السجن المركزي في إب وتدمير حياة المئات في عمر الزهور

تتجلى بشاعة هذه الحرب الناعمة والمخطط الحوثي الممنهج بوضوح صادم عند النظر إلى الكلفة الإنسانية الباهظة والضحايا من فئة الشباب الذين تبتلعهم هذه السموم يومياً في المحافظات الخاضعة للمليشيا. وفي هذا السياق، تكشف مصادر حقوقية وميدانية وثيقة الصلة لوكالة خبر عن فاجعة إنسانية تهز الوجدان الاجتماعي في محافظة إب، حيث يقبع حالياً أكثر من مئتي شاب في عمر الزهور خلف القضبان المظلمة داخل السجن المركزي بالمدينة.

هؤلاء الشبان، الذين كان يُفترض أن يكونوا عماد المستقبل وبناة النهضة، يواجهون اليوم مصيراً مأساوياً بعد صدور أحكام قضائية قاسية وجائرة بحقهم تتراوح ما بين 5 سنوات و25 سنة سجناً، لتضيع معها زهرة شبابهم، خلف الجدران الصامتة.

إن السبب المباشر وراء هذه الكارثة الإنسانية يعود بالدرجة الأولى إلى السقوط في مستنقع، الترويج والتعاطي للمخدرات، الفتاكة والخمور ومخدر الشبو المدمر، والذي سُهّل انتشاره ووصوله، إلى أيدي هؤلاء الضحايا بفعل الانفلات الأمني المتعمد، وتغاضي المشرفين الحوثيين عن شبكات الترويج.

 وتدق هذه الإحصائية المرعبة والمخيفة أمام أولياء الأمور والعائلات في إب وبقية المحافظات جرس إنذار حاد يدعوهم لضرورة اليقظة، التامة ومراقبة سلوك أولادهم وحمايتهم من رفقاء، السوء والمسارات المشبوهة، فالمخطط يستهدف تفكيك الأسر وإفراغ المجتمع من طاقاته الشابة، وبما يحتم على الجميع الانتباه الشديد لحماية الأبناء قبل فوات الأوان.

استهداف عقول الشباب 

يتجاوز الخطر الحوثي في نشر المخدرات، الجانب المالي التمويلي، ليصل إلى بعد أكثر خطورة، يتمثل في استخدام هذه المواد كأداة للسيطرة الفكرية، والجسدية على فئة الشباب والأطفال، من أجل الدفع بهم إلى محارق الموت في جبهات، القتال. 

وتشير التقارير الحقوقية، والشهادات الميدانية، من العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظات مثل إب، وذمار وعمران إلى أن المليشيا تعتمد أسلوب الإيقاع المنظم بالشباب في مصيدة الإدمان، مستهدفة بشكل خاص فئات عمرية صغيرة في المراكز الصيفية والمدارس.

بمجرد وقوع الشاب أو الطفل في حالة الإدمان الكامل على مواد فتاكة ومخربة للجهاز العصبي، مثل مخدر الشبو أو حبوب الكبتاجون، تقايضه المليشيا بتوفير الجرعات مقابل الالتحاق بالمعسكرات التدريبية، والذهاب إلى الخطوط الأمامية.

وتؤكد الدراسات النفسية والعسكرية أن تزويد المقاتلين بهذه السموم قبل المعارك يهدف مباشرة إلى إلغاء وعيهم النقدي، وإضعاف إرادتهم الفردية، وتحويلهم إلى جنود مشاة مغيبين تماماً، ينفذون الأوامر الانتحارية دون تردد أو إدراك للمخاطر، وهو ما يفسر الوحشية والاندفاع غير المبرر لمقاتلي المليشيا في العديد من الجبهات.

من ممرات العبور إلى معامل التصنيع المحلي 

شهدت خارطة الجريمة، المنظمة في اليمن تحولاً نوعياً ومخيفاً خلال الفترة الأخيرة، حيث لم تعد الشحنات تقتصر على المواد الجاهزة القادمة من الخارج، بل بدأت المليشيا بالتعاون مع خبراء أجانب بإنشاء معامل ومصانع محلية سرية لإنتاج وتخليق المواد المخدرة محلياً. 

وتأتي هذه الخطوة الخطيرة لتقليل تكاليف الاستيراد وتأمين خطوط إمداد دائمة لا تتأثر بالرقابة البحرية أو البرية التي تفرضها القوات المشتركة والأجهزة الأمنية للحكومة الشرعية.

إن الكشف مؤخراً عن محاولات لإنشاء مصانع متكاملة، لإنتاج الشبو والكبتاجون ومصادرة معامل لتصنيع الخمور والمواد الكيميائية المخدرة في عدد من المناطق الحدودية والساحلية، يدق ناقوس الخطر حول طبيعة المرحلة القادمة.

وتهدف المليشيا من خلال هذا التصنيع المحلي إلى إغراق المحافظات المحررة، مثل عدن وتعز ومأرب ومناطق الساحل، بحرب ناعمة لا تقل ضراوة عن الهجمات العسكرية المباشرة، مستهدفة تفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية، وإثارة الفوضى الأمنية عبر نشر الجريمة والقتل المرتبط بالتعاطي والإدمان.

المسؤولية الجماعية لإنقاذ الأجيال

إن استمرار تدفق المخدرات برعاية وإشراف مليشيا الحوثي، يضع مستقبل اليمن على حافة الانهيار الكامل؛ فالفقدان المتسارع لكتلة الشباب الحية في غياهب الإدمان والتعاطي يعني تدمير القوة الإنتاجية والفكرية التي يعول عليها في إعادة إعمار البلاد بعد انتهاء الحرب. 

ولا تقتصر الأضرار على الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية، بل تمتد لتضرب في عمق القيم والهوية اليمنية، من خلال تفشي الجرائم الأسرية المروعة الناتجة عن تأثير غياب العقل تحت وطأة مخدر الشبو القاتل.

تؤكد وكالة خبر، من خلال رصدها الدقيق وتواصلها مع الخبراء والأكاديميين، أن مواجهة هذا المخطط الإجرامي الشامل تتطلب صياغة استراتيجية وطنية وإقليمية موحدة تتجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية. 

ويجب أن تشمل هذه الاستراتيجية تكثيف الحملات التوعوية المجتمعية، وتأهيل مراكز علاج الإدمان، وتشديد الرقابة على السواحل والمنافذ، فضلاً عن تصنيف القيادات الحوثية المتورطة في تجارة المخدرات كأعضاء في شبكات جريمة منظمة دولية ملاحقين جنائياً أمام المحاكم الدولية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عقول وأرواح أبناء اليمن وبناء جدار صد منيع يحمي الأجيال القادمة من الضياع والدمار الممنهج.