منذ بدء الحرب على قطاع غزة، سعت إسرائيل إلى بناء أدوات محلية تعمل بالوكالة عنها داخل المناطق التي تسيطر عليها عسكريًا، في محاولة لتقليل خسائرها البشرية وتعزيز نفوذها الأمني داخل القطاع. ومع مرور الوقت، برزت مجموعات مسلحة محلية أثارت جدلًا واسعًا، وسط اتهامات فلسطينية بأنها تعمل بتنسيق مباشر مع الاحتلال وتنفذ مهام أمنية وميدانية تخدم أهدافه.
وتكشف شهادات ومعلومات وتقارير إعلامية متقاطعة أن هذه المجموعات لم تنشأ بصورة عفوية، بل جاءت ضمن مشروع منظم اعتمد على استغلال الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها سكان غزة، واستدراج بعضهم عبر وعود بالعمل والمساعدات الإنسانية وتحسين الأوضاع المعيشية.
وبحسب شهادات عناصر سابقين تحدثوا لوسائل إعلام فلسطينية، فإن كثيرين التحقوا بهذه المجموعات اعتقادًا منهم أنهم سيحصلون على فرص عمل أو مساعدات تضمن لهم ولعائلاتهم الحد الأدنى من الحياة، قبل أن يكتشفوا أنهم أصبحوا جزءًا من منظومة أمنية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
وأكد أحد العناصر السابقين أن “العملية كلها كانت خدعة”، موضحًا أن الوعود التي قُدمت للمنضمين سرعان ما تبخرت بعد وصولهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
بدايات التشكيل
وتشير المعطيات إلى أن أولى هذه المجموعات ظهرت في مدينة رفح جنوب قطاع غزة عقب اجتياحها في مايو/أيار 2024، حيث بدأ نشاطها بالسيطرة على شاحنات المساعدات الإنسانية وإقامة الحواجز داخل المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ومع مرور الأشهر، توسعت هذه المجموعات من حيث العدد والانتشار، وظهرت تشكيلات أكثر تنظيمًا يقودها أشخاص عُرف بعضهم سابقًا بسوابق جنائية أو اتهامات تتعلق بالتهريب والنهب، وفق تقارير إسرائيلية وفلسطينية.
وفي يوليو/تموز 2024 برز اسم ياسر أبو شباب باعتباره أحد أبرز قادة هذه التشكيلات، قبل أن يتولى غسان الدهيني قيادة المجموعة بعد مقتله أواخر عام 2025، بينما ظهرت مجموعات أخرى في خان يونس والمنطقة الوسطى ومدينة غزة وشمال القطاع بقيادات مختلفة.
انتشار متسارع
ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية الإسرائيلية، امتد نشاط هذه المجموعات إلى مختلف المناطق الواقعة داخل ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وتظهر صور ومعلومات نشرتها وسائل إعلام أن بعض هذه المجموعات اتخذت من مدارس ومبانٍ مدنية مقارًا لها، فيما تولت تنفيذ مهام ميدانية متنوعة داخل مناطق العمليات.
وبحسب شهادات عناصر سابقين، فإن المنضمين لهذه المجموعات وجدوا أنفسهم داخل بيئة مغلقة أشبه بالمعسكرات الأمنية، مع قيود صارمة على الحركة والتواصل، وسط تهديدات مباشرة لكل من يحاول الانسحاب أو رفض التعليمات.
تنسيق مباشر
وتؤكد الشهادات والتقارير وجود تنسيق مباشر بين هذه المجموعات والجيش الإسرائيلي خلال تنفيذ العمليات داخل القطاع.
وقال عناصر سابقون إن قادة المجموعات كانوا يتلقون التعليمات عبر أجهزة اتصال مباشرة مع ضباط إسرائيليين أثناء تنفيذ المهام، فيما تلقى بعض العناصر تدريبات على اللغة العبرية لتسهيل التواصل مع الجهات المشرفة عليهم.
كما تشير المعلومات إلى أن هذه المجموعات لم تعد تقتصر على مهام الحراسة أو السيطرة على المساعدات، بل أصبحت جزءًا من منظومة أمنية ميدانية تعمل إلى جانب القوات الإسرائيلية داخل مناطق العمليات.

مهام استخبارية
ووفق ما كشفته شهادات وتقارير متعددة، توسعت مهام هذه المجموعات لتشمل جمع المعلومات الأمنية، والبحث عن مواقع وأنفاق المقاومة، والمشاركة في عمليات مداهمة وتمشيط داخل مناطق مختلفة من قطاع غزة.
كما اتهمت هذه التشكيلات بالضلوع في عمليات خطف واحتجاز واستهداف شخصيات فلسطينية، بينها كوادر أمنية وطبية وإعلامية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى تورط هذه المجموعات في عدد من عمليات الاغتيال والخطف التي شهدها القطاع خلال عامي 2025 و2026، إضافة إلى المشاركة في عمليات ميدانية مشتركة مع قوات الاحتلال.
انتقادات إسرائيلية
وفي المقابل، لم تقتصر الانتقادات على الجانب الفلسطيني، بل امتدت إلى داخل إسرائيل نفسها، حيث نشرت صحيفة “زمان يسرائيل” تقريرًا مطولًا اعتبر أن مشروع الميليشيات المدعومة إسرائيليًا في غزة تحول إلى “فشل خطير” بعد سنوات من الاستثمار السياسي والأمني فيه.
ووفق التقرير، زودت إسرائيل هذه المجموعات بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، إلا أنها لم تتمكن من إحداث تغيير حقيقي في موازين القوى داخل القطاع أو تشكيل بديل فعلي لحركة حماس.
وأشار التقرير إلى أن عدد عناصر هذه المجموعات لا يتجاوز بضع مئات، وأن نفوذها الشعبي يكاد يكون معدومًا رغم محاولاتها تقديم نفسها كقوة محلية بديلة.
مخاوف متزايدة
ونقل التقرير عن الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين تحذيره من أن استمرار دعم هذه المجموعات قد ينقلب على إسرائيل نفسها في المستقبل.
وقال ميلشتاين إن تسليح مجموعات محلية غير مستقرة يحمل مخاطر كبيرة، مشيرًا إلى إمكانية انتقال الأسلحة أو المعدات المتطورة إلى جهات أخرى أو استخدامها بصورة معاكسة للأهداف التي أنشئت من أجلها.
كما انتقد غياب الرقابة والتقييم المهني للمشروع، معتبرًا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تجر مراجعة حقيقية لنتائجه أو تداعياته رغم مرور أكثر من عامين على انطلاقه.

رفض فلسطيني
على الجانب الفلسطيني، تواجه هذه المجموعات رفضًا واسعًا من مختلف القوى والفصائل، التي تعتبرها أدوات أمنية تعمل لصالح الاحتلال وتسهم في زعزعة الاستقرار الداخلي.
ويرى محللون فلسطينيون أن المشروع يندرج ضمن محاولات إسرائيل تفكيك البنية الاجتماعية والأمنية في غزة وإيجاد بدائل محلية تعمل بالوكالة عنها، إلا أن محدودية الحاضنة الشعبية لهذه المجموعات وصعوبة تمددها خارج مناطق الحماية الإسرائيلية حالت دون تحقيق أهدافه المعلنة.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يبقى مستقبل هذه المجموعات محل تساؤل، وسط مؤشرات متزايدة على أن المشروع الذي رُوّج له كبديل محلي قادر على تغيير واقع غزة، يواجه أزمة شرعية وتأثير متصاعدة حتى لدى بعض الجهات التي دعمت نشأته.
المصدر: الجزيرة + وكالات .



