فلسطين_ الوعل اليمني
تحل اليوم الاثنين، الذكرى الـ109 لصدور وعد بلفور، الذي أعلنت بموجبه الحكومة البريطانية، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917، تأييدها إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، في خطوة شكلت محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، ومهدت لمرحلة من التحولات السياسية والاستعمارية التي انتهت بنكبة عام 1948 واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني حتى اليوم.
وصدر الوعد في رسالة وجهها وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا، بعد إقرارها من الحكومة البريطانية، متضمنة إعلان تأييدها المشروع الصهيوني في فلسطين، دون الرجوع إلى سكان البلاد أو أخذ موافقتهم على تقرير مستقبلها.
ونصت الرسالة على أن الحكومة البريطانية «تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، وأنها ستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، مع الإشارة إلى عدم القيام بأي عمل من شأنه الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين.
ورغم أن العرب الفلسطينيين كانوا يشكلون غالبية السكان آنذاك، فإن نص الرسالة لم يعترف بهم شعباً له حقوق سياسية ووطنية، واكتفى بوصفهم «الطوائف غير اليهودية»، في حين منح الحركة الصهيونية تعهداً بشأن مستقبل أرض لم تكن بريطانيا تملكها.
من الوعد إلى الانتداب
لم يبق وعد بلفور في إطار الرسالة الدبلوماسية، بل انتقل إلى السياسة البريطانية الرسمية خلال فترة الانتداب على فلسطين، بعدما أُدرج مضمونه في صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922، وأُنيط ببريطانيا العمل على تهيئة الظروف لإقامة الوطن القومي اليهودي، وتسهيل الهجرة اليهودية، وتشجيع الاستيطان، والاعتراف بدور الوكالة اليهودية في التعاون مع إدارة الانتداب.
وفي المقابل، واجه الفلسطينيون هذه السياسات بالاحتجاجات والمطالبات بالاستقلال ورفض الهجرة الصهيونية والاستيلاء على الأراضي، وشهدت البلاد مواجهات وثورات متعاقبة، كان أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي قمعتها سلطات الانتداب البريطاني بالقوة والاعتقالات والإعدامات.

ومع انتهاء الانتداب البريطاني عام 1948، وقعت النكبة الفلسطينية، وأُقيمت دولة الاحتلال الإسرائيلي على معظم أرض فلسطين التاريخية، فيما تعرض الفلسطينيون للتهجير الجماعي والمجازر وتدمير القرى والتجمعات السكانية.
وأسفرت النكبة عن تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من منازلهم، وتدمير مئات القرى والتجمعات الفلسطينية، لتتحول قضية اللاجئين وحق العودة إلى أحد أبرز ملفات الصراع المستمرة. وفي يونيو/حزيران 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، لتدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي.
جذور تاريخية
وفي قراءة لتداعيات الوعد، يرى المتخصص في التاريخ والآثار الفلسطينية عمر عبد ربه، في حديث نقلته صحيفة «فلسطين»، أن وعد بلفور يمثل لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، ليس لأنه أنشأ الصراع بمفرده، بل لأنه منح مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين دعماً بريطانياً رسمياً، في وقت كان فيه الفلسطينيون يشكلون غالبية السكان ويتمتعون بحقوقهم السياسية والوطنية التي جرى تجاهلها.
ويشير عبد ربه إلى أن جوهر الإشكالية التاريخية في الوعد يكمن في تصرف بريطانيا بشأن مستقبل أرض لا تملكها، دون الرجوع إلى أصحابها، موضحاً أن الرسالة تحدثت عن حماية الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، لكنها لم تعترف بالأغلبية العربية الفلسطينية باعتبارها شعباً له حقوق سياسية ووطنية.
ويضيف أن تداعيات الوعد تجاوزت حدود الرسالة، وانتقلت إلى الإطار السياسي والقانوني الذي حكم فلسطين خلال الانتداب البريطاني، وما رافقه من تسهيل الهجرة اليهودية وتصاعد التوترات والمواجهات، وصولاً إلى نكبة عام 1948 وما أعقبها من تهجير وشتات.
ويحذر عبد ربه من اختزال كل ما جرى خلال أكثر من قرن في وعد بلفور وحده، مشيراً إلى أن التطورات اللاحقة ارتبطت أيضاً بقرارات وسياسات ومواجهات متعاقبة، لكنه يؤكد أن فهم جذور القضية الفلسطينية يقتضي العودة إلى تلك اللحظة التاريخية وما ترتب عليها من تحولات.

تداعيات مستمرة
وبعد أكثر من قرن على صدور الوعد، لا تزال القضية الفلسطينية تواجه آثار الاحتلال والاستيطان والتهجير، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وما خلفه من دمار واسع ونزوح جماعي، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وعمليات الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل والتهجير القسري في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وفي هذا السياق، أكد تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني أن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لا تُمنح بوعود استعمارية ولا تسقط بالتقادم، معتبراً أن وعد بلفور يمثل إرثاً استعمارياً أسهم في إرساء عقود من التهجير القسري والاستعمار الاستيطاني والعدوان.
وحمّل التحالف الحكومة البريطانية المسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية عن التداعيات المستمرة للوعد، داعياً إياها إلى الاعتراف بالظلم التاريخي واتخاذ خطوات عملية لإنصاف الفلسطينيين، كما شدد على أن حق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعودة اللاجئين حقوق ثابتة لا تقبل المساومة.
من جهته، قال المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إن وعد بلفور يمثل أساساً تاريخياً للعدوان المستمر، وإن ما يشهده القطاع والأراضي الفلسطينية من تدمير ومحاولات تهجير قسري يأتي، وفق وصفه، امتداداً للسياسات التي قامت على إنكار الحقوق الفلسطينية.
وطالب المكتب بريطانيا بتقديم اعتذار رسمي للشعب الفلسطيني وتحمل التبعات القانونية والتعويضية، إلى جانب التوقف عن توفير الغطاء السياسي والعسكري للاحتلال، والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
بدوره، أكد عضو المجلس الثوري والناطق باسم حركة فتح عبد الفتاح دولة أن الذكرى تكشف استمرار الاستراتيجية الصهيونية ومشروع الاقتلاع، معتبراً أن ما يتعرض له الفلسطينيون من عدوان وتهجير واستيطان امتداد للمشروع الاستعماري الذي استهدف فلسطين أرضاً وشعباً.
وأشار دولة إلى اعتراف 161 دولة بدولة فلسطين، وفق ما أورده في تصريحه، معتبراً ذلك مؤشراً على حضور القضية الفلسطينية دولياً، وتمسك الفلسطينيين بحقهم في الحرية والاستقلال وإقامة دولتهم.

مواقف دولية
وعلى الصعيد العربي، رحبت جامعة الدول العربية بالخطوات التي اتخذتها الحكومة البريطانية، وفي مقدمتها الاعتراف بدولة فلسطين، وفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين على خلفية التحريض على العنف ضد الفلسطينيين، إلى جانب إعلان حظر استيراد منتجات المستعمرات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقالت الجامعة، في بيان بمناسبة الذكرى الـ109 لوعد بلفور، إن هذه الخطوات تمثل تطورات إيجابية في اتجاه رفع الظلم التاريخي عن الشعب الفلسطيني، داعية إلى استكمال الإجراءات اللازمة، وتكثيف الضغوط على سلطات الاحتلال لوقف انتهاكاتها، وإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
من جانبها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وحقوقه التاريخية، مشددة على أن جرائم الاحتلال ومخططاته لن تنجح في طمس هويته الوطنية أو إسقاط حقه في العودة.
ودعت الحركة إلى تحقيق الوحدة الوطنية ضمن استراتيجية نضالية موحدة، كما طالبت بتحرك دولي لوقف العدوان ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، مؤكدة أن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها قسراً حق ثابت لا يقبل التنازل أو المساومة.
وبينما تحل الذكرى الـ109 لوعد بلفور، تبقى المسؤولية البريطانية عن إصدار التعهد وما ترتب عليه من سياسات وتحولات حاضرة في الذاكرة الفلسطينية والمطالب السياسية والحقوقية، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون المطالبة بحقهم في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال واستعادة حقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة.



