الكاتب | محمد الأحمدي
نحن كشعوب عربية تحتلها إيران ومليشياتها نُقتل ونُشرد، لأننا في نظر هذه الجماعات أحفاد أبي بكر وعمر والصحابة، المتهمين وفق عقيدتها بالتفريط في “الولاية”، فيُطلَق علينا وصف “أحفاد يزيد”. هذا ليس خطاباً هامشياً؛ فقد استحضر زعيم المليشيا الحوثية عبدالملك الحوثي مأساة كربلاء بوصفها “واقعاً معاشاً”، في ربط منظم يهدف إلى تحميل الخصوم السياسيين وزراً تاريخياً لا يتحملونه، وتحويل أي موقف سياسي إلى “طغيان يزيدي” يجب مقاومته دينياً، قبل أن يوجَّه الاتهام ذاته للسعودية لاحقاً.
وقد رصدت مؤسسة كارنيغي كيف استحدثت الجماعة تشكيلات عسكرية بأسماء رمزية كـ”كتائب الحسين”، و”الزينبيات”، مع إحياء متصاعد لطقوس عاشوراء على غرار العراق ولبنان وإيران، وهي مناسبة لم تكن قبل 2014 تحظى بحضور يُذكر في اليمن.
هذا الخطاب يستند إلى عقيدة “ولاية الفقيه”، حيث ينوب الفقيه الجامع للشروط عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض. فحين تصبح هذه العقيدة أساساً للشرعية، يغدو كل رافضٍ للخضوع خارجاً عن الدين لا عن السياسة فقط، ويُعاد إنتاج الانقسام الأول في التاريخ الإسلامي بوصفه معركة راهنة. لذا يُغلَّف التصريح الطائفي الكامل بحذر ويُترك للمناسبات الرمزية، التي تحوّلت إلى تعبئة وتمويل موازٍ للحرب عبر أناشيد ومهرجانات تصف قادة الجماعة بـ”أحفاد النبي” لشرعنة سلطتهم بتوظيف الرموز الدينية.
وعليه، فإن الشعار السياسي المُعلن مجرد قناع متغيّر لهذه العقيدة: من “إسقاط الفاسدين” عام 2014، إلى “محاربة الطواعش” في معركة مأرب التي وصف نصر الله سقوطها المرتقب بأنه يعني فوز الحوثيين في الحرب بأكملها، بمشاركة ميدانية من خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، وصولاً إلى “نصرة غزة” التي وُظّفت لتجنيد آلاف المقاتلين وإرسالهم لمحاصرة مأرب تحت مسمى “نصرة فلسطين”. وحتى بعد وقف إطلاق النار في غزة، استمر استهداف الملاحة الدولية، ما يكشف استغلال الشعب اليمني تحت مسمى “نصرة غزة” لصالح تصعيد إعلامي متزايد منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 يخدم حسابات طهران الإقليمية أكثر من قضية فلسطين نفسها، وأخيرًا إعلان التعبئة ضد المملكة العربية السعودية بزعم “كسر الحصار” المزعوم ضد الشعب اليمني.
المغزى الأعمق من تحميلنا وزر الماضي هو منح الجماعة الحوثية سقفاً مفتوحاً من الحروب اللانهائية، لأن الذنب المفترض لا يُغسل بتسوية بل بالخضوع الكامل، فتُعطل كل مفاوضات سلام بذرائع متجددة. وفي الوقت ذاته تضعنا أمام تهمة تعجيزية لا مخرج منها سوى الارتماء في مشروعهم وقبول طائفيتهم وعدوانهم.
فهم هذه البنية الذرائعية شرط لأي مقاربة سياسية وعسكرية جادة؛ فالتعامل مع كل شعار جديد بمعزل عن جذره العقدي يُعيد إنتاج وهم أن الجماعة حركة سياسية عادلة المطالب، لا امتداد لمشروع طائفي-إقليمي يوظّف كل قضية عادلة لخدمة أجندة لا صلة حقيقية لها بها.



