حسين الغاوي
ماذا يحدث عندما تُقرر ميليشيا مسلحة توجيه صواريخها الباليستية ومسيّراتها الانتحارية نحو نقطة إجماع مليار ونصف المليار إنسان؟ نحو مكة المكرمة؟
السؤال الذي يتجنب كُثر تفكيكه: هل كان الحوثي يرتكب حماقة عسكرية غير محسوبة جلبت عليه سخط العالم الإسلامي؟ أم أن ما حدث كان تطبيقاً حرفياً لعقيدة داخلية مغلقة، تبدأ وتنتهي عند فكرة واحدة: نزع قداسة المشهد وإعادة كتابته؟
الليلة.. نفتح الملف من الداخل، ونفكك الاستهداف.
لنفهم الدافع، علينا أولاً أن نتخلص من التفكير التقليدي. أنت ترى مكة قبلة مقدسة وأمناً محرماً، لكن العقل المؤدلج داخل صعدة يقرأ المسألة من زاوية مختلفة تماماً.
في الملازم الفكرية للمؤسس حسين بدر الدين الحوثي، تتكرر نظرية واضحة: سقوط شرعية الأمة ما لم تكن القيادة في السلالة. بالنسبة لهم، إدارة المملكة للحرمين الشريفين ليست مجرد خصومة سياسية، بل هي عائق عقائدي أمام ما يسمونه “تصحيح مسار الأمة”. التهديد المباشر لمنطقة الحجاز ليس انحرافاً في خطتهم، بل هو استدعاء لنبوءات مهدوية مسيسة ومحرفة، تجعل من التمدد شمالاً علامة من علامات التمكين.
قد يسأل سائل: ألم يخشوا الغضب الشعبي لمئات الملايين من المسلمين حول العالم؟ الجواب الصادم: لا. الجماعة تعيش داخل فقاعة عزل فكري محكمة؛ المقاتل في الجبهة لا يصله صوت العالم الإسلامي، بل يُقال له إن أي إدانة تخرج هي مجرد “أصوات موالية لقوى الاستكبار”. إذن، الصدمة الخارجية لا تعنيهم، المهم هو تغذية القاعدة الداخلية بوهم القدرة على مقارعة المحرمات وكسر هيبة الجميع.
عسكرياً، المسألة تتجاوز العقيدة لتلتقي بحسابات الوكيل الإقليمي؛ فإطلاق مقذوف بمدى يتجاوز 700 كيلومتر باتجاه محيط مكة يهدف إلى كسر هيبة الردع، والتشكيك في أمان المشاعر المقدسة وملايين الحجاج، في محاولة لخدمة المطلب الإيراني القديم بتدويل إدارة الحرمين، فضلاً عن استنزاف منظومات الدفاع الجوي على مساحات جغرافية هائلة.
وهنا تبرز الازدواجية الأكثر وقاحة: “الإنكار التكتيكي”. في الغرف المغلقة وأمام الأتباع يتباهون بالاقتراب من مكة وتهديد العمق، وفي البيانات الرسمية للإعلام الدولي يدّعون أن الهدف كان منشأة مدنية أو قاعدة عسكرية في الطائف أو جدة؛ إشباع للغرور الأيديولوجي في الداخل، ومحاولة للتنصل من الفضيحة الأخلاقية أمام العالم.
محاولات استهداف مكة لم تكن أخطاء ملاحية، ولا صواريخ ضلت طريقها فوق جبال السروات؛ كانت رسائل باليستية كشفت حدود المشروع: حين تصبح العقيدة أداة صراع، تسقط الحرمات وتتحول المقدسات إلى أهداف للمناورة.
لكن ما سقط من حسابات المشغّل في صعدة وطهران، أن هناك فارقاً شاسعاً بين وهم السيطرة في النصوص، وبين يقظة السماء على بعد 60 كيلومتراً من الحرم.
هناك انتهت المقذوفات رماداً.. وبقيت مكة آمنة.



