شهدت المحافظات اليمنية المحررة خلال منافسات بطولة كأس العالم مشهداً كروياً وثقافياً مفعماً بالحيوية والانطلاق، جسّد الصورة الأبها لروح الجمهورية والتطلع الفطري للشعب اليمني نحو الحياة والسلام، حيث امتلأت شوارع المدن والنوادي الرياضية بالآلاف من المشجعين الشغوفين طوال مراحل المونديال.
وفي مقابل هذا المشهد الزاخر بالمهرجانات الكروية التي رعتها السلطات المحلية والحكومة الشرعية في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة، عبر توفير شاشات عرض عملاقة متخصصة لتنفيس القهر عن المواطنين ودعم الترفيه، تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي حالة من الجمود والتضييق والعزلة القسرية نتيجة التضييق الممنهج على كافة مظاهر الحياة العامة والتجمعات الشبابية، واحتكار الفضاء العام لحساب البروباغندا الإيديولوجية الطائفية.
الفضاء العام
في العاصمة المؤقتة عدن، تحولت الساحات والميادين العامة إلى مراكز تجمع حاشدة لآلاف الرياضيين والمتابعين أمام الشاشات الضخمة؛ إذ احتضنت جولة كالتكس الشهيرة وغيرها من الساحات الجماهيرية أعداداً غفيرة من المشجعين الذين توافدوا لمتابعة المباريات في أجواء آمنة ومفعمة بالحماس والروح الرياضية العالية. ولم يقتصر هذا النشاط الترفيهي التفاعلي على العاصمة المؤقتة، بل امتد ليعم المحافظات المحررة؛ حيث فتح نادي النصر الرياضي بمدينة الضالع أبوابه وساحاته لاستقبال الجماهير، وتكفل بتهيئة الشاشات وأجهزة العرض، إلى جانب فعاليات شاشات العرض الجماعية التي أقيمت في مختلف ساحات محافظات أبين وتعز ومارب وحضرموت…
ويعكس هذا التفاعل الشعبي الواسع مدى التنوع والحرية والمساحة الاجتماعية الشاسعة التي تتمتع بها المناطق المحررة تحت مظلة الحكومة الشرعية، التي حرصت على دعم الأنشطة الكروية كوسيلة لتنفس الهواء النقي وتبديد آثار الحرب، مؤكدة حضور الدولة كراعٍ للشباب ومتطلباتهم الأساسية والترفيهية على حد سواء.
وفي حديث خاص لمنصة “الوعل اليمني”، أكد الناشط الرياضي نشيد الضالعي أن بطولة مثل كأس العالم تفقد جوهرها وحرارتها إذا لم ترتبط بالتجمعات والحماس الجماهيري والشاشات العملاقة، مشيراً إلى أن السلطة المحلية والمؤسسات الرياضية في المحافظات المحررة قدمت نموذجاً كبيراً في مؤازرة الشباب وتذليل العقبات أمامهم.
وأضاف صالح: “لو لم يفتح نادي النصر بالضالع ساحاته ويتكفل بمتابعة المباريات، لكان الرياضيون قد تطوعوا بجهودهم الخاصة لشراء الشاشات وتعليقها في الشوارع، لأن الشغف متفجر لدى الجميع. لكن الموقف المشجع من السلطة المحلية جعل الأمر أكثر تنظيماً وجمالاً”.
ولم يكتفِ صالح بنقل تجربته في الضالع، بل أشار إلى أنه حرص على متابعة جانب كبير من البطولة في ساحات عدن التي كانت تنبض بالحيوية والمشاعر الرياضية الصادقة.
القمع الإيديولوجي
وعلى الجانب الآخر من المشهد اليمني، تقف المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي على النقيض تماماً؛ إذ ينظر ناشطون ومراقبون إلى سياسات المليشيا الحوثية بوصفها نهجاً طائفياً ضيقاً لا يعترف بحق المواطنين في الترفيه أو الانفتاح على العالم. وتتعامل المليشيا مع الأنشطة الرياضية والتجمعات الشبابية بكونها تهديداً لجمودها الفكري ومحاولاتها الحثيثة لعزل المجتمع اليمني عن التجارب الإنسانية والنماذج العالمية المتقدمة، وذلك بهدف حبس المواطنين داخل إطار طائفي ضيق يسهل من خلاله تسويق الوهم وبيع الخطابات التعبوية.
ويتجلى هذا الفكر القمعي في سعي الحوثيين لمنع الشاشات العملاقة في الميادين العامة، والتعامل مع متابعة كأس العالم بحالة من التخوين والرفض، واختلاق الذرائع الواهية من قبيل اعتبار الأنشطة الترفيهية “مؤامرة خارجية” أو مسألة لا تهم الشعب اليمني.
وفي هذا السياق، عبّر الناشط الرياضي أحمد سعيد من صنعاء في حديثه لـ”الوعل اليمني” عن أسفه العميق للواقع الخانق الذي فرضته المليشيا في العاصمة صنعاء، موضحاً أن عرض المباريات في الساحات العامة وتحت إشراف وتأمين أجهزة الدولة هو العرف السائد في كل دول العالم، وهو ما تحقق بالفعل في المحافظات المحررة وعلى رأسها عدن.
واستدرك سعيد قائلاً: “في صنعاء، أصبحت سياسة الحوثي تضيق الخناق على الناس من كل جانب، وتتوجس من أي نشاط ترفيهي أو تجمع شبابي. كان المفترض أن تخصص المليشيا ساحات عامة للرياضة كما تفعل كل مدن الأرض، لكنها لا تعترف بصلب واجباتها تجاه الشعب، وتعتبر أن الميادين والشاشات الكبيرة لم تُخلق إلا لعرض الشعارات الإيديولوجية، والكلمات المبثوثة لزعيم المليشيا، والوقفات الاحتجاجية التي تجبر الناس على حضورها، محرمةً على المواطنين حق الاجتماع لمتابعة حدث عالمي يجمع شعوب الأرض”.
“المليشيات الحوثية تعتبر أن الشاشات العملاقة والساحات العامة لم تُخلق إلا لمتابعة الشعارات والكلمات الإيديولوجية لزعيمها والوقفات الاحتجاجية، مانعة أي متنفس جماعي يجمع المواطنين حول الرياضة.”
العزلة المفروضة
لم تكتفِ المليشيات الحوثية بمنع واستحواذ المساحات والميادين العامة، بل امتدت إجراءاتها التعسفية لتطال الخيارات البديلة المتاحة أمام المواطنين لتلقي قدر من الترفيه، مشكلةً عبئاً اقتصادياً ونفسياً مضاعفاً على كاهل السكان.
وفي تصريحات خصّ بها منصة “الوعل اليمني”، سلط الشاب علاء سلطان الضوء على حجم المعاناة اليومية في مناطق السيطرة الحوثية، مشيراً إلى أن المليشيا جففت الفضاء العام من أي متنفس مجاني، وجعلت الوصول إلى المنتزهات والحدائق الخاصة أمراً بالغ المعاناة والإرهاق المالي الباهظ الذي لا تطيقه غالبية الأسر اليمنية.
وأوضح سلطان أن تلك المنتزهات القليلة أصبحت تشهد ازدحاماً خانقاً وارتفاعاً جنونياً في أسعار الدخول والخدمات، لاسيما في زمن المونديال، نتيجة الضغوط والتقليص الممنهج لمساحات الرياضة والمتنزهات المفتوحة من قبل الحوثيين.
ولفت سلطان إلى أن المواطنين كانوا بحاجة ماسة لساحات وميادين عامة ومجانية لمتابعة المباريات، خصوصاً في ظل الارتفاع الخيالي لأسعار خدمات الإنترنت وسطوة شركات الاتصالات المحتكرة من قبل الحوثيين، ما جعل المتابعة والبث عبر الهواتف الفردية أمراً تعجيزياً وغير متاح لذوي الدخل المحدود، ناهيك عن أن الهواتف الذكية تفتقد للروح الجماعية والتفاعل الحماسي الذي تصنعه الشاشات العملاقة واللمة الشبابية.
وتتكامل هذه الشواهد الميدانية مع الخطاب الرسمي للمليشيا الحوثية، والذي تجلى بوضوح في تصريحات سابقة لرئيس حكومتهم غير المعترف بها دولياً، حين رد بتعالٍ وسخرية على المطالبين بحقوقهم الأساسية والخدمية داعياً إياهم إلى “الخروج لطلب الله وتوفير قيمة النت”، في تجسيد صارخ للاستهتار بحقوق الشعب الأساسية، والعمل المتعمد على عزله عن العالم الخارجي، وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية في الترفيه والتعبير والتجمع.



