تواجه دول جنوب وجنوب غرب أوروبا ضغوطاً بيئية ومناخية قاسية مع اشتعال حرائق غابات هائلة خرجت عن السيطرة في عدة مناطق، مغذّية بأسابيع متواصلة من الجفاف الشديد وموجات الحر القياسية التي ضربت القارة العجوز منذ أواخر شهر يونيو الماضي.
وتركزت الأزمة بشكل رئيسي في الأقاليم الجنوبية لفرنسا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث التهمت ألسنة اللهب ما يزيد عن ألف هكتار (نحو 2471 فداناً) من المساحات الخضراء والغطاء النباتي، وسط استنفار أمني ومدني واسع شمل نشر المئات من رجال الإطفاء والاستعانة بالطائرات القاذفة للمياه للحد من تمدد النيران المتسارعة بفعل الرياح القوية والجافة.
وكان الحريق الأضخم والأشد تدميراً قد اندلع في بلدة “بوزول مينيرفوا” الواقعة في مقاطعة هيرولت، قبل أن يعبر الحدود الإقليمية ليمتد بسرعة نحو مقاطعة أود المجاورة، حيث التهمت النيران وحدها ما يقارب 900 هكتار من الأراضي والكروم الزراعية.
ودفعت هذه الأوضاع الحرجة بالسلطات المحلية إلى نشر ما يقارب 800 جندي إطفاء مدعومين بـ 150 مركبة متخصصة وأربع طائرات من طراز “كندير” لصب المياه، بالتزامن مع إجلاء ما لا يقل عن 350 مواطناً من منازلهم كإجراء احترازي؛ وعلى الرغم من إعلان المحافظ الإقليمي السيطرة الجزئية على الحريق صباح اليوم، إلا أن فرق الإطفاء حذرت من بقاء بؤر نشطة وخطيرة نتيجة اشتداد هبوب الرياح وارتفاع درجات الحرارة لتبلغ نحو 30 درجة مئوية.
ولم تقتصر الكارثة على مقاطعة أود؛ إذ اندلع حريقان رئيسيان آخران شمال مدينة مرسيليا الساحلية وتحديداً في منطقتي “رونياك” و”لانسون بروفانس” بمقاطعة بوش دو رون، تسببا في تدمير مستودعات تجارية وسيارات وإجلاء عدد من العائلات، فضلاً عن تعليق حركة القطارات الإقليمية الواصلة بين مرسيليا وميراماس لعدة ساعات بعد اقتراب ألسنة اللهب من السكك الحديدية.
وفي مقاطعة فار، تسبب حريق غابات مفاجئ ببلدة فريجوس السياحية في إجلاء عاجل لأكثر من 2200 شخص من ستة مخيمات صيفية قريبة من الشواطئ، مما حدا بالمرصد الجوي الفرنسي إلى وضع ست مقاطعات متوسطية تحت “الدرجة الحمراء” وهي أعلى مستويات التأهب لمواجهة مخاطر الحرائق المتزايدة.
وتأتي هذه التطورات الميدانية الصعبة في وقت أكدت فيه منظمة الأرصاد الجوية العالمية والاتحاد الأوروبي أن القارة تعيش تحت وطأة إجهاد مائي حاد ناتج عن موجة حر مبكرة حطمت الأرقام القياسية وتسببت بأكثر من 1300 حالة وفاة إضافية مرتبطة بالطقس في الأسبوعين الماضيين.
ورغم أن إجمالي المساحات المحترقة في أوروبا منذ مطلع العام الجاري (والذي بلغ نحو 118,737 هكتاراً) لا يزال أقل من مستويات العام الماضي القياسية، إلا أن تقارير مركز الأبحاث المشترك للاتحاد الأوروبي تحذر من أن الخرائط التنبؤية للأسبوع الحالي تشير إلى امتداد رقعة الخطورة “القصوى جداً” لتشمل أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية، ووسط أوروبا حول جبال الألب، ومناطق من البلقان وغرب تركيا.



