مقالات

فاتورة السلام الباهضة في اليمن

الكاتب | حفظ الله العميري

في الوقت الذي كانت فيه حاشية المبعوث الأممي في مسقط تسرب معلومات عن اختراق وشيك في مفاوضات الحل السياسي وخفض التصعيد في اليمن، استيقظت مأرب على جريمة كاملة وتصعيد عسكري غادر خطف أرواح العشرات من قوات الطوارئ التابعة للحكومة الشرعية.

تريد #إيران تصفية حساباتها دفعة واحدة مع الجميع قبل انتهاء الحرب والاتفاق، ولم يكن هذا الهجوم حدثاً معزولاً عن هذه الحقيقة، بل جاء متزامناً مع السلوك الإيراني بتوسيع دائرة النار، وخنق التجارة العالمية واستخدام وكلاء المنطقة لتعظيم كرة اللهب وحصد أوراق تفاوضية مع الولايات المتحدة في الملف النووي ومضيق هرمز وغيرها من الملفات.

يدرك الحوثي جيداً ومن خلفه إيران أن هذا التصعيد، وفي ظل الحرب الإقليمية الراهنة وحالة عدم اليقين بشأن انتهائها، يُصعّب انطلاق أي عملية عسكرية واسعة ضده. لذا، فهو يسعى لاختيار زمان ومكان المعركة في هذا التوقيت تحديداً، وقبل أن تُكبل إيران باتفاقيات تمنعها من التدخل لإنقاذه، متجاهلاً تماماً معاناة اليمنيين التي تتفاقم جراء هذا التصعيد وتزامنِه مع التهاب الشرق الأوسط.

لخص هذا التصعيد حقيقة تداولها اليمنيون وأدركوها منذ عقود؛ مفادها أننا أمام جماعة لا تعيش إلا على أصداء طبول الحرب، ولا تؤمن بالسلام، بل وترى في أي خطوة نحوه تهديداً وجودياً لمشروعها.

هذه الميليشيا التي تدفع باليمنيين يومياً نحو الهاوية، لم تكتفِ بمصادرة مقدرات الداخل وتجويع الشعب، بل تستمر في المقامرة بمصير اليمن بأكمله. وبالعودة قليلاً إلى الوراء، ندرك أن عرقلة السلام وتدمير الدولة ليسا تكتيكاً طارئاً، بل هما جين متأصل منذ اللحظة الأولى لظهورها في جبال مران عام 2004، وصولاً إلى إسقاط العاصمة صنعاء في خريف 2014 والتسبب بهذه الأزمة الطاحنة؛ حينها سارعوا لتسليم مفاتيح الأجواء اليمنية للرحلات المباشرة للطيران الإيراني، في خطوة استفزازية مبكرة شرعنت التدخل الخارجي وحولت اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

يستميت الحوثيون في الهروب إلى الأمام، وينتحرون سياسياً وعسكرياً بافتعال أزمات متلاحقة تتجاوز الحدود تحت مبررات تتجدد كل يوم؛ فحين ينتهي عذر يختلقون آخر. هم لن يقبلوا بأي تسوية، ويستخدمون فرص السلام كاستراحة محارب لبدء جولات حرب جديدة، ويفسرون أي تنازل، مهما كان كبيراً، على أنه استسلام، ليرتفع بذلك سقف مطالبهم بلا نهاية.

يهرب الحوثي من استحقاقات السلام، ولا ينمو إلا في بيئة الحروب، وهي ذات البيئة التي ستبتلعه في النهاية؛ ولنا في مجريات الأحداث في سوريا ورفض النظام لأي تحركات للسلام واستقوائه على شعبه بإيران وحزب الله، شاهد قريب من التاريخ.

وإزاء هذا الصلف، يجد اليمنيون أنفسهم أمام أزمات إنسانية وواقع صعب يزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ وقد نفيق يوماً على ضياع كامل لما تبقى من ملامح الدولة إذا استمر التعاطي بهذا التراخي والمواربة مع سلوك الميليشيا. لقد أدرك اليمنيون مبكراً خطر هذه الجماعة، بينما لم يفهم العالم ذلك إلا بعد وقوع الفأس في الرأس. واليوم، يعرف اليمنيون جيداً كيفية التعامل معها، غير أن الحسابات الإقليمية والدولية المسيطرة على القرار اليمني لا تزال قاصرة عن هذا الفهم، ونخشى أن يتأخر إدراكهم لذلك كثيراً.

في المحصلة، يثبت سلوك الحوثي أن فرص السلام مع هذه الجماعة المصنفة على قوائم الإرهاب معدومة تماماً، وأن بداية الحل الفعلي وأي حديث عن تسوية قادمة يجب أن ينطلق حتماً من تفكيك هذه الميليشيا، وتجريدها من سلاحها، وإسقاط سلطتها الانقلابية.