شهدت العاصمة الكولومبية بوغوتا ومدن رئيسية أخرى ليلة صاخبة من الاحتجاجات العنيفة والاشتباكات الدامية بين قوات مكافحة الشغب وآلاف المتظاهرين الغاضبين، وذلك فور إعلان السلطات الانتخابية، مساء الأحد، عن الفوز التاريخي والمثير للجدل للمحامي الملياردير والسياسي اليميني المتطرف، أبيلاردو دي لا إسبريا، المعروف بلقب “النمر”، في الجولة الثانية الحاسم من الانتخابات الرئاسية.
وجاءت هذه الاضطرابات الأمنية مدفوعة برفض قاطع من قوى اليسار والوسط لنتائج الفرز الأولي، ، مساء الأحد، مما هدد بإدخال البلاد في أزمة مؤسسية ودستورية غير مسبوقة بسبب الهامش الضئيل جدًا الذي حُسمت به المعركة الانتخابية الأشد تنافسية في تاريخ كولومبيا الحديث.
وأظهرت بيانات “الفرز السريع” شبه النهائية الصادرة عن السجل الوطني للحالة المدنية (Registraduría) حصول دي لا إسبريا، قائد حركة “المدافعون عن الوطن” (Defensores de la Patria)، على حوالي 12.96 مليون صوت، أي ما يعادل 49.66% من الأصوات، متفوقًا بفارق ضئيل للغاية لا يتعدى 250 ألف صوت (أقل من 1%) على منافسه السيناتور اليساري إيفان سيبيدا، المرشح المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، والذي حصد 48.7% من الأصوات.
هذا الفارق الضئيل دفع سيبيدا وحملته الانتخابية إلى رفض الاعتراف بالهزيمة رسميًا، معلنين الطعن والتشكيك في نتائج أكثر من 33 ألف صندوق اقتراع من أصل 120 ألفًا، والمطالبة بإجراء فرز يدوي شامل وتدقيق نهائي قبل إعلان الفائز قانونيًا.
ودخل الرئيس الكولومبي الحالي غوستافو بيترو على خط الأزمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرًا من وجود “مخالفات وتجاوزات شائبة” في عمليات العد الأولي، ودعا الشارع إلى التزام الهدوء لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه “لا يمكن لأي مرشح أن ينصب نفسه رئيسًا” بشكل رسمي حتى تنتهي الهيئات القضائية والانتخابية من البت الكامل في جميع الطعون والشكاوى المقدمة.
وعلى النقيض من ذلك، سارع دي لا إسبريا للاحتفال بالفوز ونشر رسائل تؤكد بدء “مرحلة جديدة لإعادة بناء الوطن المعجزة”، معتمدًا على الدعم السياسي القوي الذي حظي به خلال حملته من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستندًا إلى برنامجه المتشدد القائم على قضية “القبضة الحديدية” (Mano Dura) لمحاربة الجريمة المنظمة، ووقف تمدد الكارتلات وجماعات تهريب المخدرات التي تضاعف نفوذها مؤخرًا.
ميدانيًا، تحولت شوارع بوغوتا إلى ساحة حرب شوارع حقيقية، لا سيما في المحيط القريب من الساحات السياسية والمراكز الانتخابية، حيث رشق المتظاهرون عناصر الشرطة بالحجارة والزجاجات الحارقة (المولوتوف)، وأشعلوا النيران في الحاويات والإطارات المطاطية تعبيرًا عن غضبهم من صعود اليمين المتطرف.
وقابلت قوات مكافحة الشغب هذه التحركات بإطلاق مكثف للغازات المسيلة للدموع وقنابل الصوت وخراطيم المياه لتفريق الحشود. وكانت قطاعات الأعمال والمتاجر في العاصمة قد اتخذت إجراءات احترازية مسبقة وأغلقت أبوابها تحسبًا لهذه الموجة المتوقعة من العنف، وسط مخاوف من أن تمتد هذه الاضطرابات لتصبح سمة دائمة ترافق فترة حكم “النمر” الذي من المقرر أن يتسلم السلطة رسميًا في السابع من أغسطس المقبل برفقة نائبه الخبير الاقتصادي خوسيه مانويل ريستريبو.
ويثير صعود دي لا إسبريا البالغ من العمر 48 عامًا قلقًا واسعًا لدى الأوساط الحقوقية والسياسية في أمريكا اللاتينية نظرًا لخلفيته المثيرة للجدل؛ فهو محامٍ جنائي شهير بنى ثروته الطائلة من الدفاع عن شخصيات سياسية نافذة متورطة في قضايا فساد كبرى وعلاقات مع جماعات شبه عسكرية، ورغم افتقاره للخبرة السياسية التقليدية، إلا أنه نجح في جذب الكتلة التصويتية المحافظة من خلال وعود صارمة تشمل إبادة 330 ألف هكتار من مزارع الكوكا بكل الوسائل، وربط الدين العام بأقل من 55% من الناتج المحلي، وهو ما يراه معارضوه خطة شعبوية تفتقر للآليات الواقعية وقد تقود البلاد نحو انقسام مجتمعي ومواجهات أمنية أعمق في قادم الأيام.



