منوعات

برنامج وهمي و40 مليون دولار ذهباً: قصة أكبر اختلاس في تاريخ الـ CIA

أثارت القضية الجنائية المرتبطة بالمسؤول الرفيع السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، ديفيد راش، صدمة واسعة في الأوساط الأمنية والسياسية في واشنطن، بعد الكشف عن تفاصيل بالغة الغرابة والتعقيد حول كيفية تمكنه من اختلاس ملايين الدولارات وتحويلها إلى ثروة شخصية من الذهب والمعادن الثمينة. بدأت الخيوط تتكشف عندما داهم عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) منزل راش في المنطقة الشرقية لولاية فرجينيا، ليعثروا داخل قبو المنزل على كميات هائلة من الأصول غير المشروعة، شملت 303 سبائك ذهبية تزن كل منها كيلوغراماً واحداً وتقدر قيمتها الإجمالية بأكثر من 40 مليون دولار، بالإضافة إلى مليوني دولار نقداً، ونحو 35 ساعة يد فاخرة من ماركة “رولكس”.

وتشير التحقيقات الفيدرالية وملفات المحكمة إلى أن راش، الذي كان يعمل موظفاً في الخدمة التنفيذية العليا وضمن مديرية العلوم والتكنولوجيا بالوكالة، نجح في تنفيذ خطته عبر استغلال ثغرات أمنية هيكلية ونفوذه الواسع داخل مجتمع الاستخبارات. ووفقاً للتقارير، فقد قام راش بإنشاء برنامج استخباراتي وهمي بالكامل يندرج تحت فئة “برامج الوصول الخاص” (Special Access Programs)، وهو أحد أكثر أنظمة التصنيف الحكومية صرامة وسرية، والذي يحظر بطبيعته على المسؤولين -حتى ممن يحملون أعلى التصاريح الأمنية- الاطلاع على تفاصيله أو مراقبته دون إذن خاص. وزعم راش أمام زملائه أن هذا المشروع هو مبادرة بالغة السرية تتعلق بـ “استمرارية الحكومة”، وهي الخطط الطارئة والمخصصة لضمان استمرار عمل الفيدرالية الأمريكية في حالات الكوارث الكبرى أو الحروب النووية.

ولإحكام قبضته على هذا المخطط، قام راش بإشراك اثنين من زملائه في الوكالة وأطلعهما على البرنامج المزعوم بصفتهم أعضاء فيه، مما منعهما قانونياً وبسبب حساسية الموقف من مناقشة تفاصيله مع أي أطراف أخرى، ليتحولا بغير علمهما إلى شركاء ساعدوا في تمرير العملية. وأقنع راش أحد هؤلاء الزملاء بتوجيه ملايين الدولارات من التمويل الحكومي إلى البرنامج عبر عقد فيدرالي مزيف تماماً صاغه بنفسه مع إحدى شركات الدفاع المتعاقدة مع الحكومة، واستخدم هذا العقد والغطاء السري لإقناع الشركة بشراء كميات هائلة من الذهب بزعم أنها مخصصة لنفقات وتكاليف عملياتية سرية خارج البلاد بين نوفمبر 2025 ومارس 2026، قبل أن يقوم بنقل هذه السبائك سراً إلى منزله وتخزين جزء من الأموال في مستودع قريب من مكتبه.

ولم تتوقف التجاوزات عند الاختلاس المالي فحسب، بل كشفت التحقيقات أن المسيرة المهنية لراش بُنيت على سلسلة طويلة من الادعاءات المزيفة؛ حيث تبين أنه زور مؤهلاته العلمية والعسكرية لسنوات، مدعياً كذباً أنه كان طياراً سابقاً في البحرية الأمريكية، وأنه تخرج من جامعات مرموقة مثل “كليمسون” ومعهد “رينسيلار” للعلوم التطبيقية، وهو ما ساعده على التسلل عبر نظام الفحص والتدقيق الأمني والوصول إلى هذا المنصب الرفيع والرواتب المتضخمة. ودفعت هذه الثغرات الفادحة بمسؤولين بارزين، مثل النائب الديمقراطي جيم هايمز، عضو لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، إلى التعبير عن ذهولهم الشديد وتساءلوا علناً عن كيفية حدوث هذا الاختراق وغياب الرقابة داخل وكالة استخباراتية كبرى.

وفي جلسة الاستماع الأخيرة التي عُقدت بمحكمة فرجينيا الفيدرالية، أمر القاضي ببقاء راش قيد الاحتجاز دون كفالة نظراً لامتلاكه القدرة والدافع للهروب خارج البلاد، فيما وصفه الادعاء العام بأنه “ملاعب بارع” لا يمكن الوثوق به، ولجأ إلى تنويع ثروته في السلع والمعادن لإخفائها. في المقابل، دفعت محامية الدفاع بأن القضية مبالغ فيها وأن موكلها لم يدعِ يوماً ملكيته الشخصية لهذه السبائك، بل أرشد العملاء عن مكانها وقدم لهم الرموز السرية للوصول إليها في قبو منزله، معتبرة أن طبيعة عمله السرية والغامضة هي التي تجعل بعض تصرفاته تبدو غريبة، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة من قِبل الـ FBI والـ CIA ووزارة العدل لمعرفة مصير مبالغ أخرى من العملات الأجنبية المفقودة، وسط قرارات من الوكالة بإيقاف عدد من المسؤولين الآخرين عن العمل مؤقتاً لحين استكمال استجوابهم.