زاكية علي المحفلي
لم تعد الأزمة في اليمن حدثاً طارئاً يُفاجئ الناس بل أصبحت جزءاً صامتاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
نستيقظ على انقطاع الكهرباء وكأنه أمر طبيعي، ونتعايش مع الغلاء وكأنه قدر لا مفر منه ونؤجل أحلامنا بصمت.. دون حتى أن نتساءل: متى بدأ كل هذا؟
الأخطر من الأزمات نفسها هو ذلك التحول البطيء الذي يجعلنا نتقبلها ونُبررها ثم نعتاد عليه.. حتى نفقد إحساسنا بأنها كانت يوماً ما غير مقبولة.
في الشوارع وفي المنازل وحتى في أحاديث الناس لم تعد الشكوى كما كانت. لم يعد الغضب حاضراً بنفس القوة بل حل مكانه نوع من الاستسلام الهادئ. أصبح انقطاع الكهرباء “روتيناً” وارتفاع الأسعار خبراً عابراً وتأخر الرواتب أمراً معتاداً. وكأن المجتمع بأكمله دخل في مرحلة التكيف مع ما لا يجب التكيف معه.
هذا التكيف قد يبدو للوهلة الأولى نوعاً من القوة أو الصبر لكنه في حقيقته يحمل جانباً خطيراً. حين يعتاد الإنسان على الألم يقل إحساسه به وحين يقل إحساسه تقل رغبته في التغيير. وهنا تكمن المشكلة فالأزمات لا تستمر فقط بسبب وجودها بل بسبب اعتياد الناس عليها.
جيل كامل ينشأ اليوم في ظل هذه الظروف لا يعرف شكل الحياة المستقرة ولا يتخيل واقعاً مختلفاً. أحلامه أصبحت مؤجلة أو مصغرة أو حتى ملغاة. لم يعد السؤال: كيف نحقق أحلامنا؟ بل أصبح: كيف نعيش يومنا فقط؟
ومع ذلك يواصل الناس حياتهم. يضحكون أحياناً يسخرون من واقعهم ويتبادلون النكات كوسيلة للهروب أو التخفيف. قد يبدو هذا التناقض غريباً لكنه يعكس قدرة الإنسان على البقاء حتى في أقسى الظروف. إلا أن البقاء وحده لا يكفي إذا كان ثمنه فقدان الإحساس بما نستحقه.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس كثرة الأزمات بل الاعتياد عليها. لأن الاعتياد يُطفئ شعلة الرفض ويجعل الواقع القاسي يبدو وكأنه الخيار الوحيد.
ربما لا نستطيع تغيير كل شيء دفعة واحدة لكن أول خطوة نحو التغيير هي أن نرفض اعتبار ما نعيشه أمراً طبيعياً. أن نستعيد دهشتنا وغضبنا وإيماننا بأن الحياة يمكن أن تكون أفضل؛
لأننا ببساطة.. لا يجب أن نعتاد على ما يكسرنا.
*المقال الفائز بالمركز الثاني في مسابقة الوعل اليمني لأفضل مقال صحفي للعام 2026م



