تقارير

مريس.. أعراس العيد تتحول إلى متنفس للفرح وسط الحرب وغلاء المعيشة

تقرير /احمد صالح
خاص

في قرى مريس بمحافظة الضالع وسط اليمن، لا يمر عيد الأضحى هذا العام كمناسبة دينية فحسب، بل يتحول إلى مساحة اجتماعية مزدوجة تختلط فيها أجواء التكبير بزغاريد الأعراس، في مشهد يعكس قدرة السكان على إعادة إنتاج الفرح رغم سنوات الحرب والنزوح والجفاف التي عاشتها مريس.

مع حلول العيد، تشهد المنطقة عشرات الأعراس المتزامنة، حتى باتت المناسبة أشبه بـ “موسم جماعي للزواج”، تختار فيه العديد من الأسر إتمام مراسم الزواج خلال هذه الأيام تحديدًا، مستفيدة من تجمّع العائلات وعودة المغتربين وتخفيف بعض الأعباء الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات.

في الطرقات الريفية الترابية، تبدو الحركة أكثر نشاطًا من الأيام العادية. سيارات تقل عرسانًا ومهنئين، تجمعات قبلية وعائلية، ومخيمات أعراس تُقام في ساحات القرى، بينما يحاول السكان انتزاع مساحة من الفرح وسط واقع اقتصادي ضاغط، أنهكته الحرب وارتفاع الأسعار وتراجع دخل النشاط الزراعي.

الحرب والواقع

لم تكن مريس بمنأى عن الحرب الدائرة في البلاد، إذ وقعت منذ سنوات طويلة إحدى مناطق التماس في محافظة الضالع، بحكم موقعها القريب من خطوط المواجهة مع مليشيات الحوثي في شمال مديرية قعطبة ومحيطها.

وخلال سنوات الحرب، تعرضت قرى في المنطقة لقصف واشتباكات متكررة، كما استقبلت مريس موجات كبيرة من النازحين القادمين من مناطق سيطرة الحوثيين في شمال قعطبة ودمت وجبن ومحافظة إب، ما أدى إلى ضغط كبير على الموارد المحلية والبنية الاجتماعية والخدمية.

ويقول المواطن أمين مزاحم لـ”الوعل” إن الحرب غيّرت تفاصيل الحياة في مريس، مضيفًا أن السكان يعيشون اليوم بين ضغوط المعيشة وارتفاع الأسعار وتراجع الزراعة بسبب شح الأمطار، لكنهم رغم ذلك “ما يزالون يحاولون الحفاظ على ما تبقى من مظاهر الحياة”.

ويضيف أن الأعراس خلال العيد أصبحت متنفسًا اجتماعيًا مهمًا بعد سنوات طويلة من الخوف وعدم الاستقرار.

العيد والزواج

في أحد أعراس قرية القدام بمريس، يجلس الشاب صقر مسعد بين المهنئين.
يقول لـ”الوعل” إن اختيار العيد موعدًا للزواج لم يكن ترفًا اجتماعيًا، بل حلًا فرضته الظروف الاقتصادية الصعبة.

يوضح أن إقامة الزواج خلال العيد تساعد على تخفيف جزء كبير من التكاليف، لأن العائلات تكون مجتمعة أصلًا، كما أن الأجواء العامة تسمح بتقليل النفقات المرتبطة بالدعوات والولائم.

ويضيف: “في الأيام العادية صعب تجمع الناس، لكن في العيد الجميع حاضر، والناس أصلًا في أجواء فرح، وهذا يخفف كثير من التكاليف”.

لكن في المقابل، يشير إلى أن كثيرًا من الشباب اضطروا لتأجيل الزواج لسنوات بسبب الحرب وارتفاع الأسعار، فيما لجأ آخرون إلى تبسيط الأعراس إلى أقصى حد ممكن.

تكاليف العرس

ويضيف المواطن أمين مزاحم أن ارتفاع تكاليف الزواج خلال السنوات الأخيرة جعل كثيرًا من الشباب يفضلون إقامة الأعراس في أيام العيد بدلًا من بقية أيام السنة.

ويقول إن العرس في الأيام العادية أصبح مكلفًا إلى درجة أن “صاحب العرس لا يعود قادرًا حتى على دعوة أقربائه”، لأنه سيكون مضطرًا لتحمل نفقات كبيرة لدعوات خارج القرية أيضًا، وهو ما يفوق قدرة معظم الأسر في ظل الغلاء الحالي.

ويشير إلى أن حتى دعوة الجيران أصبحت تمثل عبئًا ماديًا، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليص حجم الدعوات أو تأجيل الزواج بالكامل.

ويضيف أن الأعراس الجماعية خلال العيد خففت هذا الضغط بشكل كبير، إذ يتم الاتفاق على إقامة عدة أعراس في مكان واحد ومخيم واحد، بحيث لا يتحمل العرسان تكاليف الضيافة والطعام والمشروبات، ويقتصر الأمر على المشاركة في الفرح فقط.

ويتابع:” كل شخص يكون في بيته، والناس تروح للعرس للفرح والرقص والمشاركة، والعيد هنا يتحول إلى مناسبة تجمع أكثر من فرح في وقت واحد”.

التكيف الاجتماعي

يرى الباحث الاجتماعي صلاح الحقب أن ما يحدث في مريس يعكس قدرة المجتمعات الريفية في اليمن على التكيف مع الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، عبر إعادة تشكيل بعض العادات الاجتماعية بما يتناسب مع الواقع.

ويضيف أن الأرياف اليمنية ما تزال تحتفظ بدرجة عالية من الترابط الاجتماعي، ما يسمح باستمرار الأعراس والمناسبات الجماعية رغم الحرب والانهيار الاقتصادي.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التكيف لا يلغي حجم الضغوط، إذ إن كثيرًا من الشباب ما زالوا غير قادرين على الزواج بسبب التكاليف المرتفعة، بينما يعيش آخرون تحت ضغط اقتصادي مستمر.

النازحون والفرح

الحرب التي دفعت آلاف الأسر للنزوح إلى مريس جعلت من المنطقة مساحة مختلطة بين سكان محليين ونازحين، يعيشون ظروفًا متقاربة من الصعوبات الاقتصادية والمعيشية.

ويقول نازحون إن الأعراس في العيد تمثل فرصة نادرة للشعور بالانتماء الاجتماعي، بعد سنوات من النزوح والقلق، إذ تمنحهم هذه المناسبات مساحة للاندماج مع المجتمع المحلي.

وفي بعض القرى، يشارك النازحون في الأعراس الجماعية، سواء بالحضور أو المساهمة البسيطة، في محاولة لاستعادة جزء من الحياة الاجتماعية التي فقدوها.

فرح هش

ورغم مشاهد الفرح التي تملأ القرى خلال أيام العيد، فإن الواقع الاقتصادي يبقى حاضرًا بقوة خلف الصورة. فارتفاع أسعار الذهب والمواد الغذائية وتكاليف المعيشة جعل الزواج أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ولهذا أصبحت الأعراس إما جماعية أو مختصرة، وإما مؤجلة لسنوات، فيما يلجأ البعض إلى حلول وسط بين القدرة والرغبة.

ومع ذلك، تبدو مريس خلال العيد وكأنها تصنع استثناءً اجتماعيًا خاصًا بها، حيث يتحول الضغط الاقتصادي إلى سبب لتوحيد الأفراح بدلًا من تفريقها.

تبقى قرى مريس ممتلئة بأصوات الأعراس وأحاديث الفرح، بينما تختلط الزغاريد بظلال الحرب والضغوط الاقتصادية مع تراجع دخل النشاط الزراعي، ورغم هشاشة الواقع يصر السكان على أن العيد ما يزال مساحة ممكنة للحياة، حتى لو جاء على شكل أعراس جماعية تحاول أن تمنح الناس لحظة خفيفة وسط ثقل السنوات الطويلة من الحرب والتعب.