مقالات

“تعز” قلعة الصمود وأيقونة الجمهورية في وجه العبث الحوثي والمرجفين في المدينة

عبدالخالق محمد منصور

تظل مدينة تعز، بعراقتها وثقافتها وصلابة إنسانها، الرقم الأصعب في معادلة الصراع اليمني الراهن، فهي ليست مجرد رقعة جغرافية على خارطة اليمن، بل هي الفكرة، والروح الحية للجمهورية، والقلب النابض الذي يرفض الاستسلام لمشاريع الإمامة والكهنوت، وحين ترتعش أقلام المرجفين، أو تتعالى أصوات المنهزمين نفسياً مع كل زوبعة إعلامية أو خرق عابر، تظل تعز شامخة كجبل صبر، تعرف جيداً من تكون، وإلى أين تمضي، وكيف تحمي ترابها وأحلام أبنائها.

إن المعارك الحقيقية لا تقاس بالثغرات المؤقتة، بل بالصمود الأسطوري الممتد على مدى سنوات طويلة من الحصار والعدوان، وهو صمود استمد بقاءه من إيمان مطلق بعدالة القضية ونقاء البوصلة الوطنية.

ما يروجه أصحاب النفوس الضعيفة والمرجفون في المدينة من إشاعات وأكاذيب حول سقوط هذه المديرية أو تلك، ليس إلا انعكاساً لحالة الفزع والوهن الداخلي التي تعتري هؤلاء المهزومين، ينام الناس على تهويلات وتضخيم إعلامي تقوده مطابخ العدو وأدواته الرخيصة، ثم يصحون على الواقع الحقيقي ليجدوا أن ما حدث لم يعدو كونه تحركاً لمجموعات متسللة، عاونتها خلايا نائمة غارقة في العمالة والخيانة، سعت عبثاً لإحداث صدمة نفسية وإعلان شعارات واهية.

وحين تقع مثل هذه الأحداث العابرة، يهرع المرجفون كعادتهم لتوجيه الاتهامات الظالمة للقيادات العسكرية، وللأبطال المرابطين في الثغور، متخذين من الدموع المفتعلة والنحيب الإعلامي وسيلة للتشنيع والتخذيل، إنهم يطلقون صرخاتهم العبثية التي تذكرنا بالموروث الشعبي في لحظات الهلع، متناسين أن الرجال الأبطال لا يتباكون على الأطلال، بل يصنعون النصر بدمائهم وعرقهم.

إن محاولة تصوير أي خرق أمني أو تسلل محدود على أنه هزيمة كبرى، يكشف بوضوح عن نوايا مبيضة تخدم الميليشيات الحوثية، وتتخادم مع مشروعه الساعي لضرب الحاضنة الشعبية وتشكيكها بقياداتها ومقاومتها.

المعركة بطبيعتها كر وفر، والتاريخ العسكري والوطني لتعز يشهد أنها تقاوم منذ اللحظة الأولى لانطلاق المشروع الانقلابي، لنقّلب صفحات الماضي القريب والبعيد؛ ألم تستعد تعز جبل صبر الشامخ وتثبت جدارتها منذ أحد عشر عاماً، في وجه ميليشيات طائفية كانت تمتلك حينها ترسانة ضخمة تضم أحد عشر لواءً من الحرس الجمهوري المطوق للمدينة، فضلاً عن القوات العقائدية والعتاد العسكري الهائل الذي سُخر بالكامل لتركيع هذه المدينة الحالمة.

لقد كانت موازين القوى في بداية المواجهة مائلة بشكل صارخ لصالح المليشيات الغازية، وكانت التوقعات تشير إلى سقوط سريع للمدينة، ومع ذلك، أثبتت تعز أنها استثناء التاريخ، وقفت بصدور عارية وبإمكانيات شبه منعدمة، فكسرت شوكة الطغاة، وأفشلت خططهم المارقة. وحين نتحدث عن تعز، فإننا نتحدث عن مدينة لا تبكي على المفقودات بل تبني البدائل، مدينة علمت الوطن معنى التضحية، وصنعت من رحم الحصار أسطورة البقاء والرفض المطلق لكل صنوف الاستبداد.

إن الهوية التاريخية والحضارية لتعز غنية بما يكفي لتدرك الفرق الشاسع بين ما قدمته هذه المدينة لليمن، وبين ما تحاول الميليشيات الحوثية فرضه بقوة السلاح والإرهاب. تعز لم تكن يوماً سوى مصدر للإشعاع الحضاري والعلمي؛ فهي التي صدرت لجميع مناطق اليمن العلماء، والأطباء، والأكاديميين، والمفكرين، وكل مقومات الحياة الكريمة والجميلة.

في المقابل، ماذا قدمت الميليشيات الحوثية لتعز واليمن عموماً؟ لم يجلِب هذا المشروع الكهنوتي سوى القتل، والدمار، والألغام، والإرهاب الممنهج، وترهيب الآمنين، وتشريد العائلات، وصناعة طابور طويل من العملاء والخونة الذين باعوا أنفسهم للشيطان الإيراني، إن الميليشيات الحوثية لا تحمل في جعبتها سوى الخراب الثقافي والاقتصادي، وتحطيم المدارس والجامعات، وفرض الجبايات، ومحاولة طمس الهوية الوطنية الجامعة لصالح ثقافة الخرافة والتبعية العمياء.

إن الرهان على كسر إرادة تعز هو رهان خاسر، فالمقاومة في هذه المدينة ليست مجرد تشكيلات مسلحة، بل هي عقيدة متأصلة في وجدان كل طفل وامرأة وشيخ وشاب، الأبطال المرابطون في الجبهات، والذين يسهرون الليل يحرسون كرامة الوطن، هم الدرع الحصين الذي يكسر أمام تضحياته كل مؤامرات المرجفين والخونة.

يمكن القول: أن تعز ستظل كما عهدها الأحرار: قلعة الصمود الجمهوري، ورمز الكرامة الإنسانية، والمنارة التي تنير درب الخلاص لكل اليمنيين، إن زوابع المرجفين وخيانات الخلايا النائمة لن تزيد الموقف إلا صلابة، ولن تؤخر موعد النصر الحتمي الذي سيكتبه دماء الشهداء وعرق الأبطال المدافعين عن العرض والأرض، تعز بخير، وستبقى بخير، لأنها تستند إلى إرث عظيم من التضحية، ولأن خلفها شعباً حراً يرفض الركوع إلا لله وحده.