تقارير

هل تنجح إسرائيل في تفكيك “بروتوكول الخليل”؟ خطوة سموتريتش تضع إرث أوسلو على المحك

فلسطين _ الوعل اليمني

عاد “بروتوكول الخليل” الموقع عام 1997 إلى واجهة المشهد السياسي الفلسطيني الإسرائيلي، بعد إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في أجزاء من المدينة، في خطوة أثارت تحذيرات فلسطينية من محاولة لتقويض أحد أبرز الترتيبات المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو.

ويرى فلسطينيون أن القرار الإسرائيلي يتجاوز كونه إجراءً إدارياً يتعلق بالتخطيط العمراني، ليطرح تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الاتفاقات الموقعة بين الجانبين، وإمكانية فرض وقائع جديدة في مدينة تعد من أكثر المناطق حساسية وتعقيداً في الضفة الغربية المحتلة.

خطوة إسرائيلية مثيرة للجدل

وأعلن سموتريتش، أمس الثلاثاء، استكمال إجراءات نقل صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية بمدينة الخليل إلى الجهات الإسرائيلية، بما يشمل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن القرار ينهي عملياً ارتباط بلدية الخليل الفلسطينية بملفات التخطيط والبناء في تلك المناطق، وينقل المسؤولية إلى المؤسسات الإسرائيلية المختصة.

ووصف سموتريتش الخطوة بأنها “تغيير دراماتيكي للواقع القائم”، معتبراً أنها تتجاوز الجوانب التنظيمية إلى ما سماه “تعزيز الحكم الإسرائيلي” في المدينة.

في المقابل، أكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن “بروتوكول الخليل” لم يُلغَ رسمياً، موضحة أن القرار يقتصر على صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستوطنين والمواقع التي تصنفها إسرائيل كمواقع تراثية يهودية، دون المساس ببقية بنود الاتفاق.

ما هو بروتوكول الخليل؟

ويُعرف الاتفاق رسمياً باسم “البروتوكول الخاص بإعادة الانتشار في الخليل”، وقد وُقع في 17 يناير/كانون الثاني 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ضمن ترتيبات اتفاقيات أوسلو.

وجاء البروتوكول بعد سنوات من التوتر في المدينة، خاصة عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي ارتكبها مستوطن إسرائيلي وأسفرت عن استشهاد 29 مصلياً فلسطينياً.

وبموجب الاتفاق، قُسمت مدينة الخليل إلى منطقتين رئيسيتين؛ الأولى “H1” وتخضع للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية، وتشكل نحو 80 بالمئة من مساحة المدينة، بينما بقيت المنطقة الثانية “H2” تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي ومناطق سكن المستوطنين.

ورغم السيطرة الأمنية الإسرائيلية على “H2″، احتفظت بلدية الخليل بصلاحيات مدنية واسعة في المنطقة، شملت التخطيط والبناء والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والخدمات البلدية المختلفة.

لماذا يثير القرار مخاوف فلسطينية؟

وتكمن حساسية القرار الإسرائيلي في استهدافه أحد البنود الأساسية التي أبقت للجانب الفلسطيني دوراً مدنياً داخل المنطقة الخاضعة أمنياً لإسرائيل.

ويقول مسؤولون فلسطينيون إن سحب صلاحيات التخطيط والبناء يمثل تعديلاً أحادياً على الترتيبات التي حكمت المدينة منذ قرابة ثلاثة عقود، ويمس بصورة مباشرة الاتفاقات الموقعة برعاية دولية.

وفي هذا السياق، اعتبر رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري أن الخطوة الإسرائيلية تشكل “مساساً بالاتفاقات الموقعة بإشراف ورعاية دولية”، داعياً الولايات المتحدة إلى التدخل باعتبارها أحد الأطراف الراعية لهذه التفاهمات.

وأكد الجعبري أن البلدية ستواصل أداء مهامها في مختلف مناطق المدينة، بما فيها البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، رافضاً ما وصفه بمحاولات فرض تغييرات أحادية على الوضع القائم.

بين التخطيط والضم

ويرى مراقبون أن القرار يأتي ضمن سلسلة خطوات إسرائيلية متسارعة تستهدف توسيع النفوذ الاستيطاني في الضفة الغربية، خصوصاً في المناطق المصنفة ذات حساسية سياسية ودينية.

وتزامن الإعلان مع تدشين مستوطنة جديدة جنوب الخليل وتحركات استيطانية واسعة في محيط المدينة، ما عزز المخاوف الفلسطينية من أن تكون الإجراءات الجديدة جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض وفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

كما تكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن الخليل تعد المدينة الوحيدة في الضفة الغربية التي تضم وجوداً استيطانياً داخل مركزها التاريخي، وهو ما منحها وضعاً استثنائياً مقارنة ببقية المدن الفلسطينية.

إلى أين يتجه الاتفاق؟

وبينما تؤكد إسرائيل أن التعديلات الأخيرة لا تعني إلغاء “بروتوكول الخليل”، يرى الجانب الفلسطيني أن المساس ببنود جوهرية فيه يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاتفاق وقدرته على الاستمرار بالشكل الذي صُمم عليه عام 1997.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على وجود مسار سياسي قادر على معالجة الخلافات المتراكمة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تمثل تعديلاً محدوداً في الصلاحيات، أم خطوة جديدة نحو تفكيك أحد آخر الأطر المنظمة للعلاقة بين الجانبين داخل مدينة الخليل.