مع تصاعد موجات الحر في مختلف أنحاء العالم، تتزايد التحذيرات الصحية من التأثيرات التي لا تقتصر على الإجهاد الحراري وضربات الشمس، بل تمتد أيضًا إلى الأدوية التي يعتمد عليها ملايين المرضى يوميًا. فارتفاع درجات الحرارة قد يغيّر طريقة استجابة الجسم لبعض العلاجات، كما قد يؤدي إلى تراجع فعالية أدوية أخرى إذا لم تُحفظ وفق شروط التخزين الموصى بها، الأمر الذي قد يعرّض المرضى لمضاعفات صحية غير متوقعة.
ويؤكد مختصون في الصيدلة أن الجسم يعتمد بصورة أساسية على التعرق، وزيادة تدفق الدم إلى الجلد، والحفاظ على توازن السوائل لتنظيم درجة حرارته. إلا أن بعض الأدوية تتداخل مع هذه الآليات الطبيعية، فتقلل قدرة الجسم على التخلص من الحرارة أو تزيد احتمالات الإصابة بالجفاف، ما يجعل مستخدميها أكثر عرضة للإجهاد الحراري خلال فترات الطقس شديد الحرارة.
أدوية نفسية تحتاج الحذر
وفي هذا السياق، تأتي مضادات الاكتئاب ضمن أبرز الأدوية التي تستوجب الحذر، إذ قد تقلل من قدرة الجسم على التعرق وتؤثر في تنظيم الحرارة، ما يزيد احتمالات الإصابة بالجفاف وارتفاع حرارة الجسم. وينطبق الأمر أيضًا على مضادات الذهان التي قد تؤثر في مركز تنظيم الحرارة في الدماغ، وتضعف الإحساس بالعطش أو بارتفاع درجة الحرارة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم مضاعفات الطقس الحار.
كما تبرز أدوية القلب وضغط الدم بين أكثر العلاجات تأثرًا بموجات الحر. فحاصرات بيتا قد تحد من تدفق الدم إلى الجلد، ما يقلل قدرة الجسم على التخلص من الحرارة، بينما تزيد مدرات البول من فقدان السوائل، الأمر الذي يرفع خطر الجفاف، خاصة لدى كبار السن أو المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة. كذلك قد تؤثر بعض الأدوية المستخدمة لعلاج ارتفاع ضغط الدم، مثل “راميبريل” و”لوسارتان”، في توازن السوائل والإحساس بالعطش، ما يستدعي متابعة دقيقة خلال الأجواء الحارة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يحذر الخبراء من أن الأدوية المنبهة المستخدمة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قد ترفع حرارة الجسم وتزيد سرعة عمليات الأيض، وهو ما يعزز خطر الإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، لا سيما عند ممارسة نشاط بدني في درجات حرارة مرتفعة.
تحديات مرضى السكري
أما مرضى السكري، فيواجهون تحديًا مضاعفًا خلال الصيف، إذ إن الحرارة قد تسرّع امتصاص الأنسولين داخل الجسم، ما يزيد احتمالات انخفاض مستويات السكر بصورة مفاجئة، مصحوبًا بأعراض مثل الدوخة والتعرق والارتعاش، وقد تتطور الحالة في بعض الأحيان إلى فقدان الوعي. وفي المقابل، فإن تعرض عبوات الأنسولين لدرجات حرارة مرتفعة قد يؤدي إلى تراجع فعاليتها، ما يؤثر في قدرة المرضى على ضبط مستويات السكر في الدم.
وتتسع قائمة الأدوية الحساسة للحرارة لتشمل أيضًا حقن إنقاص الوزن مثل “أوزمبيك” و”ويغوفي” و”مونجارو”، إذ قد تؤدي إلى زيادة خطر الجفاف نتيجة انخفاض الشهية أو الغثيان والقيء، فضلًا عن أن تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة قد يؤثر في المادة الفعالة ويقلل من كفاءتها العلاجية.
بخاخات وأدوية حساسة
وفي الوقت نفسه، تؤكد الهيئات الصحية أن بخاخات الربو ليست بمنأى عن تأثيرات الحرارة، إذ قد يؤثر تخزينها في السيارات أو الأماكن شديدة السخونة في ضغط العبوة وآلية إطلاق الجرعة، وهو ما قد يقلل من كفاءتها العلاجية، خاصة في ظل تزايد مشكلات الجهاز التنفسي خلال موجات الحر.
كذلك قد تتغير خصائص الكريمات والمراهم الطبية عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة، إذ قد يتغير لونها أو قوامها أو رائحتها، وهي مؤشرات قد تدل على تلف المستحضر أو انخفاض فعاليته. كما تشمل التحذيرات أجهزة حقن الأدرينالين المستخدمة في حالات الحساسية المفرطة، إلى جانب عدد من الأدوية البيولوجية الحساسة للحرارة، التي قد تتحلل مكوناتها الفعالة إذا لم تُخزن بالشكل الصحيح.

ويشير خبراء الصحة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة لا يؤثر فقط في الأدوية، بل قد يزيد أيضًا من الآثار الجانبية لبعض العلاجات، مثل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية كالإيبوبروفين، أو دواء الليثيوم المستخدم لعلاج الاضطراب ثنائي القطب، حيث يؤدي الجفاف إلى زيادة سميته وارتفاع احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة.
نصائح للاستخدام الآمن
وفي ضوء هذه التحذيرات، ينصح المختصون بحفظ الأدوية في أماكن باردة وجافة بعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة، وعدم تركها داخل السيارات أو الحقائب المعرضة للحرارة لفترات طويلة، مع الالتزام بتعليمات التخزين المدونة على عبوات الأدوية. كما يشددون على أهمية شرب كميات كافية من المياه، وتجنب التعرض للشمس خلال ساعات الذروة، والانتباه إلى أعراض الإجهاد الحراري مثل الدوخة والغثيان والارتباك والتعرق الشديد.
ويؤكد الأطباء أن هذه التحذيرات لا تعني التوقف عن تناول الأدوية أو تعديل جرعاتها من تلقاء النفس، وإنما تهدف إلى تعزيز الوعي بالاستخدام الآمن للعلاجات خلال فصل الصيف. لذلك، تبقى استشارة الطبيب أو الصيدلي ضرورية عند ملاحظة أي أعراض غير معتادة، أو عند الشك في تعرض الدواء لدرجات حرارة قد تؤثر في فعاليته، لضمان استمرار العلاج بأمان وتحقيق أفضل النتائج الصحية.
المصدر: وكالات.



