أخبار اليمن

من مقاعد الدراسة إلى خطوط النار.. تقرير حقوقي يوثق مسارات تجنيد الأطفال في اليمن

أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات تقريرًا حقوقيًا بعنوان «من البيت إلى الجبهة»، وثّق 222 حالة لأطفال تشير السجلات إلى تجنيدهم ومقتلهم خلال الربع الثالث من عام 2026، ونُسبت الحالات إلى مليشيات الحوثي، وتوزعت على 16 محافظة يمنية.

ويكشف التقرير، الصادر في 29 أكتوبر 2026 ضمن سلسلة «أثر: ملفات حقوقية مصغرة»، مسارات انتقال الأطفال من الأسرة والمدارس والأنشطة الثقافية إلى المعسكرات ومواقع القتال، وما قد يواجهونه من مخاطر خلال التدريب والمواجهات أو عند الوقوع في الأسر، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تستمر بعد خروجهم من الجبهات.

وبحسب التقرير، تصدرت محافظة ذمار قائمة الحالات المرصودة بـ37 حالة، تلتها صنعاء بـ34، وحجة بـ33، وصعدة بـ25، وإب بـ24، وعمران بـ21 حالة. وشكلت الحالات المسجلة في هذه المحافظات الست نحو 78.4% من إجمالي الحالات التي رصدتها المنظمة.

وتوافرت بيانات عمرية لـ147 طفلًا، تراوحت أعمار 69 منهم بين 12 و14 عامًا، فيما تراوحت أعمار 78 طفلًا بين 15 و17 عامًا. ولم تتمكن المنظمة من تحديد أعمار 75 طفلًا آخرين، مؤكدة أن هذه الأرقام أولية وجزئية، وترتبط بحالات وفاة، ولا تمثل العدد الكامل للأطفال الذين جرى تجنيدهم، بمن فيهم من لا يزالون على قيد الحياة.

خمس حالات في قرية واحدة

ووثق التقرير خمس حالات لأطفال تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا في قرية المربك، بعزلة جبل اللوز في مديرية الطيال بمحافظة صنعاء، خلال الفترة من مطلع سبتمبر وحتى 16 أكتوبر 2026.

وأفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن ثلاثة أطفال أُخذوا من مدرستي قاع الصبلة وخالد بن الوليد، فيما أُخذ طفلان آخران من مقر محلي داخل القرية. وذكر التقرير أن طفلًا نُقل إلى جبهة مأرب، بينما لم تتضح وجهة طفلين آخرين، وأشارت المعلومات إلى أن أحدهما لا يزال مجهول المصير.

ولفتت المنظمة إلى أن تركز الحالات في قرية واحدة خلال فترة قصيرة، وارتباط ثلاث منها بمؤسستين تعليميتين، يثير تساؤلات بشأن دور المدارس والمشرفين المحليين في استقطاب الأطفال ونقلهم إلى المعسكرات والجبهات، مع التأكيد أن هذه الحالات لا تكفي وحدها لتقدير حجم الظاهرة على المستوى الوطني.

استقطاب وتدريب عسكري

ويتضمن التقرير شهادات ثلاثة أطفال قالوا إنهم جُنّدوا في سن مبكرة، إلى جانب إفادة شخص لم يُحسم عمره وقت التجنيد، وشهادة مختص عمل في برامج تأهيل الأطفال وإعادة دمجهم بين عامي 2017 و2025.

وتحدثت الإفادات عن أساليب استقطاب مختلفة، شملت تقديم القتال بوصفه واجبًا دينيًا، وتقديم مبالغ مالية ومساعدات للأسر، إلى جانب استقطاب الأطفال عبر دروس ودورات ثقافية واتصالات محلية.

وفي إحدى الشهادات، قال طفل إن والده اصطحبه إلى معسكر عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث أمضى نحو 55 يومًا في التدريب على استخدام البنادق والرماية والتمارين البدنية، إلى جانب حضور محاضرات دينية وسياسية، قبل نقله إلى مواقع أمامية.

وذكرت إفادات أخرى أن بعض الأطفال استُقطبوا بوعود العمل في مواقع خلفية أو تلقي حوافز مالية، قبل نقلهم، وفق رواياتهم، إلى مواقع أكثر تعرضًا لمخاطر المواجهات، بما في ذلك مهام الحراسة والقتال.

انتهاكات بعد الوقوع في الأسر

كما تناول التقرير إفادات لأطفال قالوا إنهم تعرضوا، بعد وقوعهم في الأسر، للضرب والتهديد والإهانة والتصوير وسوء ظروف الاحتجاز، إلى جانب نقص الغذاء والرعاية الطبية. وشددت المنظمة على ضرورة التحقيق المستقل في هذه الادعاءات، وضمان المعاملة الإنسانية للأطفال بصرف النظر عن الجهة التي جندتهم أو المهام التي أُسندت إليهم.

وأورد التقرير كذلك ادعاءات بشأن تعرض بعض الأطفال لمواد مجهولة أو مؤثرة في الوعي والسلوك، لكنه أوضح أن المعلومات المتاحة لا تتضمن فحوصًا مخبرية أو سجلات علاجية تثبت طبيعة تلك المواد أو علاقتها بالتغيرات السلوكية الموصوفة، داعيًا إلى إجراء فحوص طبية وتحقيقات متخصصة.

وأشار إلى أن آثار التجنيد قد تستمر حتى بعد مغادرة الجبهات، إذ تحدثت الإفادات عن الخوف والقلق والكوابيس وصعوبة العودة إلى الحياة الأسرية والتعليمية، ما يستدعي توفير الدعم النفسي والاجتماعي وحماية الأطفال من إعادة التجنيد.

مساءلة ودعوات للحماية

واستعرض التقرير الإطار القانوني لحظر تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة، موضحًا أن تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال الحربية قد يشكل جريمة حرب إذا ثبتت عناصرها القانونية.

ودعت منظمة سام مليشيات الحوثي وجميع الأطراف المسلحة إلى وقف تجنيد الأطفال واستخدامهم، وإنهاء استغلال المدارس والأنشطة الثقافية في استقطابهم، والكشف عن الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة، وتسهيل خروجهم الآمن وإحالتهم إلى برامج الحماية والتأهيل.

كما طالبت بإجراء تحقيقات مستقلة في مسارات الاستقطاب والتدريب والنقل إلى الجبهات، والتحقق من ادعاءات سوء المعاملة أثناء الاحتجاز، وتحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة، إلى جانب توسيع برامج إعادة الدمج وضمان عودة الأطفال إلى التعليم والحياة الأسرية، ووضع تدابير تمنع تجنيدهم مجددًا.