فلسطين _ الوعل اليمني
يتصاعد الجدل في الأراضي الفلسطينية المحتلة حول مشروع قانون إسرائيلي جديد يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات أوسع للسيطرة على المواقع الأثرية في الضفة الغربية، في خطوة يرى الفلسطينيون ومنظمات حقوقية إسرائيلية أنها تتجاوز البعد الثقافي والتراثي لتشكل أداة جديدة لتكريس الاستيطان وفرض وقائع سياسية وجغرافية على الأرض. وبينما تبرر إسرائيل الخطوة بحماية الآثار ذات الصلة بالرواية التوراتية، يحذر مراقبون من أن القانون قد يفتح الباب أمام مصادرة أراضٍ فلسطينية وتوسيع النفوذ الإسرائيلي داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو.
الآثار في قلب الصراع
أقرّ الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون يقضي بإنشاء ما يسمى “سلطة التراث في يهودا والسامرة”، وهو المسمى الإسرائيلي للضفة الغربية. وينص المشروع على نقل إدارة عدد من المواقع الأثرية التي تعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية والصليبية إلى وزارة التراث الإسرائيلية، مع منحها صلاحيات تتعلق بشراء العقارات ومصادرتها في محيط تلك المواقع.
ورغم أن المشروع لم يستكمل مساره التشريعي بعد، فإن مجرد إقراره الأولي أثار موجة من التحذيرات الفلسطينية والدولية، لا سيما أن تطبيقه يعني عملياً سحب بعض الصلاحيات من السلطة الفلسطينية وإخضاع مواقع تقع داخل الأراضي المحتلة لإدارة مدنية إسرائيلية مباشرة.
مخاوف من توسيع الاستيطان
في المقابل، يرى المسؤولون الفلسطينيون أن الحديث عن حماية الآثار لا يعدو كونه غطاءً لسياسات أوسع تستهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
ويقول وزير السياحة والآثار الفلسطيني هاني الحايك إن الاحتلال يستخدم ملف الآثار كمدخل للتوسع داخل مناطق فلسطينية مصنفة (أ)، مشيراً إلى أن عمليات التنقيب والحماية المعلنة تتحول عملياً إلى أدوات لتعزيز السيطرة الميدانية وخلق بؤر استيطانية جديدة في عمق الضفة الغربية.
كما تؤكد حركة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن مشروع القانون يمثل “إجراء ضم بكل المقاييس”، محذرة من أنه سيؤدي إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت ذرائع أثرية وثقافية.
سبسطية.. نموذج للصراع
وتبرز بلدة سبسطية شمال الضفة الغربية باعتبارها إحدى أكثر المناطق تأثراً بهذه السياسات. فالبلدة التي تضم موقعاً أثرياً مهماً يمتد تاريخه عبر حضارات متعددة، تعتمد بشكل كبير على السياحة كمصدر دخل رئيسي لسكانها.
وفي أواخر عام 2025 أعلنت إسرائيل خطة للسيطرة على نحو 445 فداناً في محيط الموقع الأثري، بدعوى تطوير المنطقة والحفاظ عليها. غير أن مسؤولين محليين أكدوا أن الخطة ألحقت أضراراً بآلاف أشجار الزيتون، كما حدّت من وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
ويحذر مسؤولون في البلدية من أن السيطرة على المنطقة الأثرية ستؤدي إلى عزلها عن محيطها الفلسطيني، بما يشمل الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حياة السكان واقتصاد البلدة.
خسائر اقتصادية متفاقمة
ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الجانب الجغرافي فحسب، بل تمتد إلى الواقع الاقتصادي للسكان. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة أواخر عام 2023، تراجعت الحركة السياحية بشكل حاد في العديد من المواقع الأثرية الفلسطينية.
ويؤكد أصحاب منشآت سياحية في سبسطية أن نسبة كبيرة من السكان كانت تعتمد على النشاط السياحي كمصدر دخل أساسي، إلا أن تراجع أعداد الزوار والقيود المفروضة على المنطقة دفعا العديد من المحال التجارية إلى الإغلاق، ما فاقم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلدة.
الرواية الإسرائيلية
من جهتها، تصر إسرائيل على أن القانون لا يهدف إلى تغيير الوضع القانوني للضفة الغربية، بل يندرج ضمن جهود حماية المواقع الأثرية التي تعتبرها جزءاً من التاريخ اليهودي القديم.
ويقود هذا التوجه عضو الكنيست تسفي سوكوت، المنتمي إلى حزب الصهيونية الدينية، والذي يؤكد أن المشروع يسعى إلى الحفاظ على مواقع ذات أهمية تاريخية وتوراتية، معتبراً أن الضفة الغربية تمثل مركزاً أساسياً للرواية التاريخية اليهودية.
غير أن مواقف سوكوت الداعمة للاستيطان والمعارضة لإقامة دولة فلسطينية تدفع كثيرين إلى التشكيك في الأهداف الحقيقية للقانون وربطه بمساعٍ أوسع لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية.
اعتراضات داخل إسرائيل
ورغم الدعم الذي يحظى به المشروع داخل أوساط اليمين الإسرائيلي، فإنه واجه انتقادات من جهات أكاديمية وقانونية إسرائيلية.
فقد دعا المجمع الوطني الإسرائيلي للعلوم والآداب إلى إسقاط القانون، محذراً من تداعياته على مكانة إسرائيل الدولية، وخاصة في مجالات البحث العلمي والآثار. كما أعرب مسؤولون قانونيون عن مخاوفهم من أن يؤدي المشروع إلى مزيد من التوتر مع المجتمع الدولي ويعزز الاتهامات الموجهة لإسرائيل بالسعي إلى ضم الأراضي المحتلة.
بين التراث والسياسة
ويرى مراقبون أن الصراع الدائر حول المواقع الأثرية يتجاوز مسألة الحفاظ على التراث الثقافي، ليعكس صراعاً أعمق على الأرض والهوية والسيادة. فبينما توظف إسرائيل البعد التاريخي لتبرير توسيع نفوذها في الضفة الغربية، ينظر الفلسطينيون إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءاً من سياسة متدرجة تهدف إلى تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتزايد المشاريع التشريعية المرتبطة بالأراضي المحتلة، يبقى ملف الآثار واحداً من أكثر الملفات حساسية، باعتباره يجمع بين التاريخ والسياسة والجغرافيا في معركة مفتوحة على مستقبل الضفة الغربية وهويتها.



