تعتزم جمعية «قرية أطفال غزة» الأميركية إخضاع أحاديث داخل الصفوف الدراسية في القطاع للمراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لرصد عبارات تصنّفها على أنها «تحريضية» أو «معادية للسامية» أو تنطوي على «الكراهية»، في خطوة تثير مخاوف من تحويل التعليم إلى أداة لضبط الخطاب الفلسطيني، وفرض رقابة على ما يقوله المعلمون والطلبة في بيئة أنهكتها حرب الإبادة الإسرائيلية.
وكشفت وكالة «أسوشيتد برس»، في تقرير نشرته الجمعة، أن الجمعية تخطط لتسجيل المحادثات الصفية وتحليلها آليًا، بحيث يتلقى مؤسسها ورئيسها التنفيذي، الطبيب الأميركي من أصل فلسطيني ديفيد حسن، تنبيهات عند رصد عبارات تعتبرها التقنية مثيرة للشك، تمهيدًا للتواصل مع المعلمين المعنيين ومناقشة ما ورد في أحاديثهم.
وتأتي هذه الخطة في وقت يواجه فيه أطفال غزة حرمانًا واسعًا من التعليم، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي المدارس وألحق أضرارًا جسيمة بها خلال حرب الإبادة، بينما تفتح المبادرة الأميركية الباب أمام تساؤلات تتجاوز التقنية المستخدمة إلى الجهة التي تملك حق تحديد مضمون التعليم الفلسطيني، والمعايير التي ستُستخدم للحكم على كلام المعلمين والطلبة.
مراقبة الصفوف
وبحسب «أسوشيتد برس»، طرح حسن مشروع المراقبة خلال ندوة عبر الإنترنت في سبتمبر/أيلول الماضي، موضحًا أن التسجيلات ستخضع للتحليل باستخدام الذكاء الاصطناعي لرصد ما تصفه الجمعية بالخطاب «التحريضي» أو «المعادي للسامية» أو «البغيض».
وقال حسن إن التسجيلات ستُحفظ لمدة 72 ساعة، فيما تعتزم الجمعية تطبيق النظام في عشرات الصفوف الدراسية، بعد إخضاع التقنية للاختبار. غير أن التقرير لم يحدد موعد بدء تنفيذ الخطة، كما لم يوضح المعايير التي ستعتمدها المنظومة لتصنيف العبارات، أو ما إذا كان المعلمون وأهالي الأطفال قد أُبلغوا مسبقًا بإجراءات التسجيل والمراقبة.
وبرر حسن المشروع برغبته في ضمان التزام المعلمين بمنهج تعليمي تقول الجمعية إنه يعزز السلام والتسامح ويستهدف «اجتثاث التطرف»، معتبرًا أن المراقبة، رغم الجدل المحيط بها، وسيلة تتيح للمؤسسة مواصلة تطبيق المنهج الذي تتبناه.
لكن ربط مراقبة الأحاديث الصفية بتقييم مدى التزام المعلمين بمنهج محدد يثير مخاوف بشأن حدود الرقابة المفروضة عليهم، خصوصًا في ظل غياب معايير معلنة تحدد طبيعة الكلام الذي قد يستدعي التنبيه أو التدخل. كما يطرح تساؤلات بشأن احتمال إخراج العبارات من سياقها، أو التعامل مع رواية الفلسطينيين لتجربتهم تحت الاحتلال باعتبارها مادة تستوجب المراجعة.
ولا يقتصر الأمر على مراقبة أداء المعلمين، إذ إن تسجيل الأحاديث داخل الصفوف قد يشمل، بحسب نطاق التطبيق الذي لم تتضح تفاصيله، كلام الطلبة أنفسهم، بما يحمله ذلك من مخاطر على خصوصيتهم وحقهم في النقاش والتعبير، لا سيما أن كثيرًا منهم فقدوا أقاربهم ومنازلهم خلال الحرب.
المناهج الفلسطينية
وتدير الجمعية شبكة مدارس تُعرف باسم «أكاديميات الأمل» في وسط قطاع غزة وجنوبه، وتقول إنها توفر التعليم والوجبات الغذائية والرعاية الطبية والنفسية لآلاف الأطفال. وتعتمد الدروس في معظمها على المنهج الفلسطيني الذي تعتمده السلطة الفلسطينية، غير أن حسن أعلن سابقًا حذف مواد يقول إنها تمجد العنف أو تشجع على مواقف معادية لإسرائيل أو معادية للسامية.
ولم يقدم حسن، وفق التقرير، أمثلة واضحة على المواد التي حذفتها الجمعية، كما لم تتضح آليات مراجعة تلك التعديلات أو الجهات التي تشرف عليها وتحاسب القائمين عليها.
وبذلك، لا تنفصل خطة المراقبة عن الخلاف بشأن مضمون التعليم الفلسطيني؛ فالجمعية لا تكتفي بتقديم خدمات تعليمية للأطفال، بل تتبنى توجهًا لتعديل بعض محتويات المنهج وفق رؤيتها لما تعتبره مقبولًا أو مرفوضًا، ثم تسعى إلى مراقبة الأحاديث الصفية للتحقق من التزام المعلمين بهذه الرؤية.
ويثير هذا التوجه تساؤلات جوهرية بشأن حق الفلسطينيين في تحديد ما يتعلمه أبناؤهم، والجهة المخولة بوضع المعايير التعليمية في قطاع غزة، خصوصًا عندما تتولى مؤسسة أميركية إدارة مدارس وتعديل مضامين تعليمية خارج الأطر الرسمية الفلسطينية، وسط غياب الوضوح بشأن الرقابة المحلية والأممية على عملها.
وفي هذا السياق، تناول تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي، نُشر في يناير/كانون الثاني 2026، مواد تعليمية فلسطينية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وإجراءات مراجعتها. وشملت الأمثلة التي أوردها التقرير استخدام أعداد الشهداء في مسائل حسابية، والإشارة إلى القدس عاصمة لفلسطين، ووصف إصابة طفل برصاص الاحتلال خلال مظاهرة تضامنية مع فلسطينيين معتقلين في السجون الإسرائيلية.
وتتعلق هذه المراجعة بمواد تعليمية فلسطينية وإجراءات مرتبطة بالأونروا، ولا تمثل تحقيقًا في مناهج جمعية «قرية أطفال غزة». لكنها تعكس جانبًا من الجدل الدائر حول تعريف التحريض والتطرف، والجهات التي تملك سلطة تصنيف المحتوى التعليمي الفلسطيني، بما في ذلك مواد تتناول التاريخ الفلسطيني والاحتلال والأحداث التي عاشها الفلسطينيون.
اعتراضات متصاعدة
ولم تمر خطة المراقبة دون اعتراضات من شخصيات مرتبطة بالجمعية وجهات تتعاون معها. وقال بشارة بحبح، الناشط السياسي الفلسطيني الأميركي وعضو مجلس إدارة المؤسسة، إنه لم يكن على علم بالمشروع، وإنه لم يُطرح على المجلس.
وأوضح بحبح أن استخدام الكاميرات لمراقبة أداء المعلمين والطلبة قد يكون مقبولًا، لكنه رفض استخدامها لإسكاتهم أو منعهم من تبادل الأفكار بحرية داخل الصفوف الدراسية. وشدد على أن الأولوية في ظل النقص الحاد في المدارس العاملة بغزة ينبغي أن تكون إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، بدلًا من إخضاع أحاديثهم للمراقبة.
كما حذّر مسؤول في منظمة إغاثية شريكة للجمعية من تداعيات استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة كلام الأشخاص، معتبرًا أن الخطوة تفتح «صندوق باندورا»، ومشيرًا إلى احتمال أن تدفع المخاوف المرتبطة بالمشروع منظمته إلى إعادة النظر في شراكتها مع المؤسسة.
وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته، فيما رفض ستة معلمين حاليين وسابقين في «أكاديميات الأمل» التعليق على خطة المراقبة، وفق الوكالة.
وفي ما يتعلق بالجهات المشاركة في تطوير النظام، قال حسن في رسالة نصية إن التقنية طُورت بالتعاون مع منظمة «بولي لابس» غير الربحية، ومقرها نيويورك، إلا أن المنظمة نفت مشاركتها في تطويرها أو نشرها.
كذلك، لم يشر التقرير إلى وجود أدلة تثبت أن الجمعية تعتزم مشاركة التسجيلات مع جهات أخرى. ومع ذلك، فإن عدم وضوح نطاق الوصول إلى البيانات، وآليات التعامل معها، وسبل الاعتراض على التصنيفات الآلية، يبقي المخاوف قائمة بشأن كيفية استخدام هذه التسجيلات والضمانات التي تحمي المعلمين والطلبة من إساءة استخدامها.
مخاوف فلسطينية
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في قطاع غزة، حيث عاش الفلسطينيون سنوات من القصف والتهجير والدمار، وسط استخدام واسع لتقنيات جمع المعلومات وتحليلها خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ونقلت «أسوشيتد برس» عن أمجد عراقي، المحلل المختص بالشأنين الإسرائيلي والفلسطيني في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن استخدام إسرائيل المعلومات كسلاح خلال الحرب جعل كثيرًا من الفلسطينيين يشعرون بأن أي كلمة ينطقون بها أو فكرة يكتبونها قد تُستغل ضدهم.
وفي بيئة كهذه، يثير إدخال نظام يراقب الأحاديث الصفية ويصنفها آليًا مخاوف من امتداد الشعور بالمراقبة إلى المساحات التعليمية، التي يفترض أن تتيح للأطفال التعبير عن تجاربهم وأسئلتهم، وأن تمنح المعلمين مساحة لشرح الأحداث ومناقشتها دون خشية من تصنيف كلماتهم خارج سياقها.
وأشار التقرير كذلك إلى أن أحد العاملين في الجمعية أفاد بأن بعض المعلمين والموظفين يخشون التعرض للاستجواب من حركة حماس بشأن المنهج، فيما يشعر آخرون بعدم الارتياح للعمل لدى مؤسسة تدعمها جهات إغاثية إسرائيلية. ولا تثبت هذه الإفادة وجود تبادل للتسجيلات مع تلك الجهات، لكنها تكشف عن مخاوف داخل بيئة العمل نفسها بشأن تبعات المشروع.
وفي سياق الشراكات، أعلنت منظمة «ناتان للإغاثة في حالات الكوارث» الإسرائيلية دعم عيادة طبية للأطفال داخل إحدى أكاديميات الجمعية في منطقة المواصي، وفق ما أوردته تقارير منشورة. غير أن المعلومات المتاحة لا تثبت مشاركة المنظمة في تطوير نظام مراقبة الأحاديث أو تشغيله.
مستقبل التعليم
وتأتي هذه التطورات بينما لا يزال مئات آلاف الأطفال في قطاع غزة محرومين من التعليم المنتظم، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، بعد تدمير مدارس أو تضررها بفعل العدوان الإسرائيلي.
وبينما تقول الجمعية إن مدارسها توفر للأطفال فرصًا للتعلم والرعاية في ظل ظروف إنسانية قاسية، فإن ذلك لا يلغي ضرورة إخضاع أي مشروع للمراقبة إلى معايير واضحة تحمي الخصوصية، وتضمن إبلاغ المعلمين والأهالي بطبيعة التسجيلات، وتحدد الجهات التي يمكنها الوصول إلى البيانات، وآليات الاعتراض على قرارات التصنيف.
كما أن توفير التعليم لا ينفصل عن حق الفلسطينيين في المشاركة في تحديد مناهج أبنائهم ومضمونها، وعن ضرورة أن تخضع المؤسسات التي تتولى تقديم الخدمات التعليمية للمساءلة والرقابة، خصوصًا عندما تتخذ قرارات قد تؤثر في حرية التعبير والهوية الوطنية داخل الصفوف.
وفي ظل الدمار الذي أصاب المنظومة التعليمية في غزة، يبقى التحدي الأساسي هو إعادة بناء المدارس وضمان وصول الأطفال إلى التعليم، لا تحويل الفصول الدراسية إلى مساحات تُرصد فيها الكلمات وتُصنّف وفق معايير لم تُعلن بوضوح.
وبينما تقدم الجمعية مشروعها بوصفه وسيلة لتعزيز السلام والتسامح، فإن إخضاع أحاديث المعلمين والطلبة للتحليل الآلي يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يُراد للمدرسة أن تكون مساحة للتعلم والنقاش الحر، أم بيئة مراقبة يُترك فيها تحديد الكلام المقبول لخوارزميات ورؤية مؤسسة خارج المنظومة التعليمية الفلسطينية؟
المصدر: وكالات.



