أخبار العالم

مالي والنيجر وبوركينا فاسو تنسحب رسمياً من المحكمة الجنائية الدولية

أودعت كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي الدول المشكلة لـ “تحالف دول الساحل”، وثائق انسحابها رسمياً من عضوية المحكمة الجنائية الدولية لدى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وذلك في خطوة تعتبر تتويجاً لمسار طويل من التوتر بين هذه الأنظمة العسكرية والمؤسسات القضائية الدولية، وتحدياً قانونياً وسياسياً لافتاً في القارة الأفريقية.

تأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من التصريحات والمواقف التي اتخذتها العواصم الثلاث منذ وصول مجالسها العسكرية إلى السلطة في انقلابات متتالية شهدتها المنطقة بين عامي 2020 و2023، حيث سعت هذه الأنظمة إلى إعادة صياغة سياساتها الخارجية والتحلل من الالتزامات الدولية التي تراها مرتبطة بالإرث الاستعماري الغربي.

وقد استندت الدول الثلاث في قرارها بالانسحاب إلى رؤية سياسية تعتبر المحكمة الجنائية الدولية “أداة للقمع الاستعماري الجديد” مسلطة على رؤساء وقادة الدول الأفريقية دون غيرهم.

ووفقاً للبيانات الصادرة عن هذه الدول، فإن قرار الانسحاب لم يكن وليد اللحظة بل جاء بعد مراجعات قانونية وسياسية دقيقة، حيث أكدت باماكو ونيامي وواغادوغو أن ولاية المحكمة الدولية تتعارض مع سيادتها الوطنية، وتنتقص من قدرة أجهزتها القضائية المحلية على ممارسة صلاحياتها في محاسبة من ينتهكون القانون الدولي على أراضيها، مشددة على أن المسار الجديد الذي تتبعه دول الساحل يهدف إلى تعزيز “العدالة الأفريقية” بأيادٍ أفريقية خالصة بعيداً عن الوصاية الدولية.

في المقابل، أعربت الهيئة التنفيذية للمحكمة الجنائية الدولية عن قلقها العميق إزاء هذا الانسحاب الجماعي، معتبرة إياه تقويضاً خطيراً للجهود العالمية الرامية إلى تحقيق العدالة الجنائية الدولية وحماية حقوق الإنسان.

وأكدت مصادر في لاهاي أن هذه الخطوة تضع تحديات كبيرة أمام ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة في مناطق النزاع التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي، حيث تتخوف المنظمات الحقوقية الدولية من أن يؤدي هذا الفراغ القانوني إلى إفلات الجناة من العقاب، خاصة في ظل تقارير سابقة عن انتهاكات لحقوق الإنسان في مناطق المواجهات ضد الجماعات المسلحة المتطرفة في تلك الدول.

وتشكل هذه الخطوة تحولاً جيوسياسياً في غرب أفريقيا، إذ تعزز التوجه الاستراتيجي لدول “تحالف الساحل” نحو الابتعاد عن التحالفات التقليدية مع القوى الغربية، لا سيما فرنسا والولايات المتحدة، والتوجه نحو سياسة “السيادة المطلقة”.

ويرى مراقبون أن هذا الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية قد يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التعاون القضائي والأمني مع المجتمع الدولي، خاصة وأن هذه الدول تواجه ضغوطاً متصاعدة داخلياً وخارجياً فيما يخص ملفات الحريات العامة ومكافحة الإرهاب، وهو ما قد يدفع بهذه الدول إلى مزيد من العزلة الدولية أو إلى بناء تحالفات بديلة تعيد تعريف علاقتها بالمنظومة الدولية ككل.