تقارير

كيف يسرق الاحتلال تاريخ فلسطين؟ الآثار تتحول إلى أداة لشرعنة الاستيطان 

الاحتلال والآثار في الضفة.. هل تُعاد كتابة تاريخ فلسطين؟

لم يعد الصراع في الضفة الغربية يقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتد ليطال الذاكرة والهوية التاريخية، بعد أن وسّعت حكومة الاحتلال الإسرائيلي صلاحيات ما تُسمى “هيئة الآثار الإسرائيلية” لإدارة عشرات المواقع الأثرية في الضفة الغربية، في خطوة يعتبرها الفلسطينيون جزءًا من مشروع سياسي يهدف إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية بما يخدم الاستيطان.

ويرى مختصون أن نقل إدارة المواقع الأثرية إلى سلطات الاحتلال يتجاوز كونه إجراءً إدارياً، ليشكل تحولاً في طبيعة الصراع، إذ بات التاريخ نفسه ساحة مواجهة جديدة، تُستخدم فيها الآثار لإضفاء شرعية على التوسع الاستيطاني وطمس الرواية الفلسطينية.

معركة الرواية

في قرية حمصة غرب مدينة دورا جنوب الخليل، يقف الفلسطيني عبد الله رجوب أمام منزله الأثري الذي ورثه عن أجداده، باعتباره شاهداً على تاريخ عائلته الممتد لأكثر من قرن.

ويؤكد رجوب أن المنزل شُيّد بأيدٍ فلسطينية من حجارة الجبل المجاور، وأن الأرض كانت على الدوام مزروعة بالمحاصيل الزراعية، معتبراً أن الإجراءات الإسرائيلية تستهدف محو الهوية الفلسطينية للمكان، خاصة مع التوسع الاستيطاني المحيط به.

ولا تُعد قصة رجوب حالة منفردة، إذ تتكرر المخاوف ذاتها في عشرات المواقع الأثرية المنتشرة في الضفة الغربية، والتي أصبحت، بحسب الفلسطينيين، هدفاً مباشراً لمخططات الاحتلال الرامية إلى السيطرة على الذاكرة إلى جانب السيطرة على الأرض.

فرض سردية إسرائيلية

وتضم الضفة الغربية نحو سبعة آلاف موقع أثري، تشير تقديرات فلسطينية إلى أن الاحتلال يسيطر بالفعل على أكثر من نصفها، سواء لوقوعها داخل المناطق المصنفة “ج” أو بمحاذاتها.

ويقول خبراء آثار إن إنشاء سلطة آثار إسرائيلية في الضفة الغربية يفتح الباب أمام فرض تفسير أحادي للتاريخ الفلسطيني، من خلال إعادة تصنيف المواقع الأثرية وربطها بالرواية التوراتية، مع تجاهل الحضارات التي سبقت الوجود العبري بقرون، وفي مقدمتها الحضارة الكنعانية.

كما يضطر عدد من علماء الآثار الفلسطينيين إلى إجراء أعمال تنقيب بسرية خشية استيلاء سلطات الاحتلال على المكتشفات أو إعادة توظيفها بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

المواقع تحت الاستيطان

وتتجسد هذه السياسة في عدد من المواقع التاريخية البارزة، أبرزها بلدة سبسطية شمال غربي نابلس، حيث تتهم مؤسسات فلسطينية الاحتلال بإعادة تفسير المعالم الرومانية باعتبارها مواقع دينية يهودية.

كما تواجه برك سليمان جنوب بيت لحم تهديدات متزايدة بفعل التوسع الاستيطاني، بعد أن أثرت المشاريع المقامة في الجبال المحيطة على مصادر المياه الطبيعية المغذية للبرك، وسط تحذيرات من أضرار قد تطال بنيتها التاريخية.

وفي مواقع أخرى، حُولت مناطق أثرية إلى حدائق توراتية ومرافق سياحية مخصصة للمستوطنين، في إطار سياسة تهدف إلى دمج الآثار بالمشروع الاستيطاني وتعزيز الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

مخالفات للقانون الدولي

ويؤكد قانونيون أن عمليات التنقيب ونقل الآثار من الأراضي المحتلة تتعارض مع قواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.

ويرى مختصون أن الاستيلاء على المواقع الأثرية وإعادة توظيفها سياسياً قد يرقى إلى جريمة دولية، باعتباره انتهاكاً لحقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال في حماية تراثه الثقافي والتاريخي.

ويستشهد الفلسطينيون بقضية وثائق البحر الميت باعتبارها إحدى أبرز قضايا “القرصنة الثقافية”، بعد نقلها من المتحف الفلسطيني في القدس الشرقية إلى متحف إسرائيل عقب احتلال المدينة عام 1967.

صراع يتجاوز الجغرافيا

ويؤكد مسؤولون في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أن المواقع الأثرية تمثل دليلاً مادياً على تعاقب الحضارات فوق أرض فلسطين، وأن إعادة إدارتها من قبل سلطات الاحتلال تستهدف إعادة كتابة التاريخ بما يخدم المشروع الاستيطاني.

وفي ظل استمرار هذه السياسات، يرى مراقبون أن المواجهة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل أصبحت معركة على الوعي والذاكرة والحق التاريخي، في محاولة لإعادة تشكيل هوية المكان وتوظيف التراث كأداة سياسية لترسيخ الاحتلال.

المصدر : وكالات.