تقارير

شكاوى متصاعدة من “البترول المغشوش” بمناطق سيطرة الحوثيين.. وسط اتهامات بالإهمال وتفشي الفساد وغياب الرقابة

تقرير

تشهد المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي خلال أيام عيد الأضحى المبارك موجة واسعة من الشكاوى والبلاغات بشأن تعطل مئات المركبات بشكل مفاجئ، في أزمة جديدة تتعلق بوقود يُتهم بأنه غير مطابق للمواصفات، ما أعاد إلى الواجهة ملفاً مثقلاً بالاتهامات حول فشل منظومة الرقابة النفطية وغياب الشفافية داخل شركة النفط الخاضعة لسيطرة المليشيات.

وتشير الوقائع المتداولة إلى أن الأزمة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن شهدت المناطق نفسها قبل شهور أزمة مشابهة، دون أن تظهر أي نتائج واضحة للتحقيقات المعلنة حينها، أو إجراءات رادعة تمنع تكرار ما حدث، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول مدى جدية الإجراءات الرقابية والرقابية الفعلية على قطاع النفط.

وتداول مواطنون خلال الأيام الماضية شهادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن أعطال مفاجئة في سياراتهم بعد تعبئة الوقود من محطات تابعة لشركة النفط في صنعاء، وسط اتهامات مباشرة بوجود خلل في عمليات الاستيراد أو التوزيع أو الفحص، في ظل صمت رسمي أو تفسيرات وُصفت بالغير مقنعة.

وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أعلنت شركة النفط عن تخصيص رابط إلكتروني لتلقي الشكاوى، في خطوة اعتبرها ناشطون مجرد إجراء شكلي لا يلامس أصل المشكلة، ولا يجيب عن التساؤلات الجوهرية المتعلقة بكيفية دخول شحنات وقود مثيرة للجدل إلى الأسواق دون فحص صارم أو إعلان نتائج شفافة للرأي العام.

غياب المحاسبة المستمر

الإعلامي نشوان السميري اعتبر أعتبر بمنشوره على فيسبوك أن تكرار الأزمة يعكس انهيار منظومة الرقابة وغياب أي محاسبة حقيقية، مشيراً إلى أن السلطات لم تكشف حتى الآن نتائج التحقيقات الخاصة بالأزمة السابقة، رغم الوعود المتكررة بإعلانها للرأي العام.

وقال السميري إن استمرار غياب الشفافية بشأن أسماء المتسببين أو الإجراءات المتخذة بحقهم يفتح الباب أمام الشكوك حول وجود حماية أو تواطؤ داخل المنظومة المسؤولة عن استيراد وتوزيع الوقود، متسائلاً عن جدوى اللجان التي يتم الإعلان عنها في كل أزمة دون نتائج ملموسة.

ويرى ناشطون أن هذا النمط المتكرر من الأزمات دون محاسبة يعكس حالة من الاستهتار بحقوق المواطنين، ويؤكد وجود خلل بنيوي في إدارة قطاع حيوي يرتبط بشكل مباشر بحياة الناس وممتلكاتهم.

شهادات تكشف حجم الضرر

على أرض الواقع، تتسع دائرة المتضررين من الأزمة، حيث نشر عشرات المواطنين روايات عن أعطال متكررة في سياراتهم، بعضها أدى إلى توقف المركبات في الطرق العامة وتعطيل رحلات سفر بالكامل.

ومن بين هذه الشهادات ما رواه المواطن عصام صلاح الدين في صفحته على فيسبوك، الذي أكد أن سيارته تعرضت لأعطال متكررة أثناء تنقله بين المحافظات، مشيراً إلى تغير واضح في أداء المحرك وارتفاع حرارته بشكل غير طبيعي بعد تعبئة الوقود.

وأضاف أن عدداً من المركبات كانت متوقفة على الطرق، خصوصاً في مناطق جبلية مثل نقيل سمارة، في مشهد يعكس حجم المشكلة واتساع نطاقها، وسط غياب أي تدخل فعلي أو توضيح فني شفاف من الوائرة المختصة في سلطة مليشيات الحوثي.

وتشير هذه الشهادات إلى حالة فقدان ثقة متزايدة بين المواطنين ومحطات الوقود، حيث بات كثيرون يشككون في جودة البنزين ويضطرون إلى البحث عن بدائل أو تجنب السفر لمسافات طويلة خوفاً من الأعطال.

شحنات بلا شفافية

في سياق متصل، نقلت منصة “النقار” عن مصدر في ميناء رأس عيسى النفطي أن شحنات بنزين دخلت البلاد خلال الفترة الأخيرة دون استكمال الإجراءات الفنية المعتادة، بما في ذلك الفحص المخبري قبل التفريغ والتوزيع.

وبحسب المصدر، فقد تم تفريغ الشحنات وتوزيعها على خزانات ومحطات وقود في صنعاء ومحافظات أخرى، في تجاوز واضح للإجراءات المفترض أنها ملزمة لضمان سلامة الوقود قبل وصوله إلى المستهلك.

ويرى مراقبون أن استمرار مثل هذه الممارسات يعكس فوضى إدارية وغياباً للرقابة المؤسسية في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي، خاصة في ظل نقل صلاحيات الفحص إلى جهات محلية لم تقدم حتى الآن نتائج شفافة أو تقارير علنية يمكن الاعتماد عليها.

ولم يصدر أي تعليق رسمي واضح يفسر هذه المعلومات أو ينفيها بشكل مباشر.

وقالت شركة النفط إن الأعطال تعود إلى “ظروف التخزين والنقل”، مؤكدة أنها اتخذت إجراءات احترازية، إلا أن هذا التبرير قوبل بانتقادات واسعة اعتبرته تهرباً من المسؤولية ومحاولة لتقليل حجم الأزمة دون معالجة جذورها الحقيقية.

أزمة تتكرر بلا إصلاح

يرى مراقبون أن جوهر المشكلة لا يكمن في الحادثة الأخيرة فقط، بل في كونها تتكرر للمرة الثانية خلال فترة قصيرة دون أي تغيير فعلي في السياسات أو آليات الرقابة، رغم إعلان سابق عن إحالة المتسببين إلى التحقيق.

ويؤكد ناشطون أن استمرار تكرار الأزمة دون محاسبة أو شفافية يعزز الانطباع بوجود فساد أو سوء إدارة داخل منظومة استيراد وتوزيع الوقود، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وممتلكاتهم.

كما تُوجه انتقادات حادة لحكومة لسلطة الحوثي المعنية بسبب تغليب المصالح المالية والصفقات التجارية على حساب جودة الوقود وسلامة المستهلكين، في ظل ارتفاع أسعار الوقود مقابل تدهور واضح في الخدمة المقدمة.

غضب شعبي متصاعد

وفي سياق التفاعل الشعبي، نشر القاضي عبدالوهاب قطران تدوينة تحدث فيها عن تعرض سيارته لأعطال مشابهة بعد تعبئة الوقود من إحدى محطات الشركة، واصفاً ما يحدث بأنه انعكاس مباشر لأزمة أوسع في قطاع الخدمات.

وأشار إلى أن تدهور أداء المركبة وظهور أعطال متكررة يعكس، بحسب تعبيره، “انهياراً في جودة الوقود” وغياباً لأي رقابة حقيقية، مع انتقادات حادة لارتفاع أسعار الخدمات الأساسية دون تحسين مقابل.

وأثارت هذه التدوينة تفاعلاً واسعاً باعتبارها شهادة إضافية من شخصية قضائية معروفة، ما زاد من حجم الجدل حول طبيعة الأزمة واتساع نطاقها.

ومع استمرار الغموض، تتزايد الدعوات المطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل، وإعلان نتائجه للرأي العام دون تأخير، وكشف جميع الجهات المتورطة في أي خلل يتعلق باستيراد أو توزيع الوقود.

وفي ظل استمرار الشكاوى وتوسع دائرة المتضررين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما يحدث مجرد خلل تقني متكرر، أم أنه نتيجة مباشرة لفشل إداري لسلطات مليشيات الحوثي وغياب رقابة حقيقية داخل واحدة من أكثر القطاعات حساسية في البلاد؟