
المشكلة في اليمن ليست في موت القادة، وإنما في عجز المجتمع عن تجاوزهم، ذلك العجز الذي يعيد إنتاج أزمة الدولة في كل مرحلة من مراحل التحول اليمني، حيث يتحول الزعيم في لحظة واحدة إلى “إله” يحمل الوطن بأكمله على كتفيه أو إلى شيطان يحمل أوزار كل الانهيار. ولا يوجد في الفضاء بين هذين القطبين أي مساحة للرؤية التاريخية المعقدة التي تدرك أن الرؤية الوطنية لا تُبنى على الأشخاص وإنما على المؤسسات والأفكار والمشاريع التي تستقل بذاتها عن زوال الرجال.
كلما مات رجل في اليمن، تحول الناس إلى طائفتين لا ثالث لهمـا: طائفة تبكيه كقديس وطني وترفع منزلته إلى مصاف الأنبياء والصالحين، وطائفة تلعنه كشيطان تاريخي وتحمله وحده تبعات كل جرح وكل هزيمة وكل انهيار. ثم يضيع الوطن مرة أخرى بين المريدين والكارهين في صراع عاطفي لا ينتهي إلى مشروع، بل ينتهي إلى انتظار صنم جديد “يُصنع ليُعبد ثم ليُحطم”، وهكذا تدور الحلقة المفرغة التي لم تسمح لليمن بأن ينجب مشروعاً وطنياً يتجاوز الأشخاص نحو الدولة والفكرة والمؤسسة.
إن اليمن لا يحتاج مزيداً من البكاء على الأطلال، ولا إعادة تدوير صور الحمدي وصالح وهادي داخل الوعي الجمعي، وكأن البلاد عقيمة إلى هذا الحد، وعاجزة عن إنجاب مشروع يستقل بذاته عن الأشخاص. ذلك المشروع الذي يجعل من الدولة مؤسسة مستقلة لا تتأرجح بين تقديس الزعيم وتدنيسه، بل تظل ثابتة على قواعد القانون والمواطنة والمؤسسية.
إن العقل السياسي اليمني لا يزال أسير دائرة التقديس والتدنيس التي انطلقت منذ عهد الحمدي ومرت بعفاش ووصلت إلى هادي، وفي كل مرة يظن هذا القطيع السياسي أن الزعيم الجديد سيخلصه من الزعيم السابق، وسرعان ما يكتشف لاحقاً أنه انتقل من الولاء للأشخاص بدل الولاء للمؤسسات إلى ولاء جديد لشخص آخر، دون أن يولد في الفترة الفاصلة أي مشروع وطني يستقل بالدولة عن الأشخاص. وهذا ما يفسر لماذا يجد اليمنيون أنفسهم اليوم وهم يودعون هادي منقسمين بين فريق يتخذ من رحيله مناسبة للتقديس ووصفه بالمناضل الكبير والمشير البطل، وفريق آخر يتخذ من رحيله مناسبة للتدنيس ووصفه بالمُمكِّن الأكبر والرئيس الصوري الفاسد. في حين أن الحقيقة التاريخية تقع في مكان آخر تماماً لا يصل إليه هذا السرد الثنائي المُبسًط.
أخطر ما يقتل “الشرق” ليس الاستبداد وحده، وإنما قابلية الناس لتقديس الشخصيات السياسية، تلك القابلية التي تجعل الإنسان لا يريد أن يكون مواطناً حراً يملك إرادته ومسؤوليته، بقدر ما يريد أباً سياسياً يعلق عليه آماله وأحلامه. ثم يتحول لاحقاً إلى خصم يعلق عليه هزائمه وانهياراته، وهكذا نظل ندور داخل الحلقة نفسها: نصنع الأصنام السياسية بأيدينا، ثم نحطمها بغضب، ثم نبحث عن صنم جديد نعلق عليه بقايا آمالنا المنهكة.
إن المجتمعات الحية لا تُبنى على تقديس الرجال، وإنما على احترام الأفكار، ومحاسبة السلطة، والقدرة على نقد الجميع دون خوف أو تبعية عاطفية، ذلك النقد الذي يجعل من المواطن شريكاً في صناعة القرار لا مريداً يتلقى الإملاءات من فوق. ولكن العقل اليمني ما زال يعيش في حالة من السيولة السياسية التي تجعله غير قادر على التمييز بين الولاء للوطن والولاء للشخص، فالولاء للوطن يقتضي نقداً دائماً للسلطة ومحاسبتها على أخطائها، بينما الولاء للشخص يقتضي تقديساً أعمى يتحول في لحظة الانقلاب إلى تدنيس أعمى. ولا يوجد في المسافة بين التقديس والتدنيس أي فضاء للنقد البناء أو للمشروع الوطني المستقل.
إن السيولة التي تعانيها اليمن اليوم ليست ظاهرة فريدة وإنما هي حالة من حالات الفشل في بناء مشروع وطني يستقل عن الأشخاص، وقد عاشتها شعوب أخرى في مراحل مختلفة من تاريخها. فالعراق مع صدام حسين عاش عقوداً من عبادة الشخصية التي وصلت إلى حدود التقديس الديني حيث كتب الشعراء قصائد يصفونه فيها بالنبي والفارس المحرر، ثم انقلبت الصورة رأساً على عقب بعد عام 2003 ليصبح محط اللعن والتدنيس دون أن ينتج الانهيار مشروعاً وطنياً حقيقياً. وكذلك ليبيا مع القذافي تعتبر مثالاً آخر على فشل المشروع الوطني في التحرر من الشخص حيث حاول إلغاء فكرة الدولة واستبدلها بعبادة شخصية تحولت في العقود الأخيرة إلى نمط تسلطي اختزل فيها النظام. وأيضًا رومانيا في عهد “تشاوتشيسكو” قدمت نموذجاً أوروبياً واضحاً على جنون العظمة الشخصي حيث ابتكر نظام القائد المعبود وصور نفسه على أنه الوطن بعينه، لكن الشعب الروماني انقلب في ثورة 1989 إلى درجة إعدامه في محاكمة شكلية دون أن تلد الثورة مشروعاً وطنياً جديداً، بل أعادت إنتاج السلطة القديمة بوجوه أخرى.
وبالتالي ما يجمع هذه التجارب بالحالة اليمنية هو أن الشعوب التي تفشل في بناء مشروع وطني مستقل عن الأشخاص تظل رهينة لدورة مفرغة من التقديس والتدنيس تلتهم فيها الذات الجمعية للأمة دون أن تنتج هوية سياسية مستقرة. وفي اليمن تحديداً تتفاقم هذه السيولة بسبب أن الجغرافيا كسلعة سياسية تجعل البلاد ميداناً للتدخلات الإقليمية والدولية، فلا يملك اليمنيون مشروعاً وطنياً يحميهم من زوال الأشخاص ولا يملكون مؤسسات دولة قادرة على امتصاص الصدمات. وبالتالي يظل الاصطفاف السياسي منقسماً بين مطبلين يقدسون الحمدي وآخرين يقدسون عفاش وثالثين يقدسون هادي ورابعين يقدسون الحوثي، وكل فريق يظن أن ولاءه للشخص هو الوطنية بعينها. في حين أن الوطنية الحقيقية تكمن في ولادة مشروع يستقل بالدولة عن الأشخاص ويعيد إنتاجها كمؤسسة لا كملكية خاصة لزعيم أو قبيلة أو ميليشيا.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس لماذا يبكي فريق على هادي ويلعن آخر، وإنما لماذا ظل العقل اليمني عاجزاً عن تجاوز هذه الدائرة المفرغة رغم كل ما مر به من حروب وأزمات وانهيارات؟ والجواب يكمن في أن إعادة إنتاج أزمة الدولة في اليمن لم تكن يوماً مجرد صدفة تاريخية، وإنما هي وظيفة جيوسياسية تخدم أطرافاً إقليمية ودولية تستفيد من بقاء اليمن دولة ضعيفة مؤسسة على شخصنة الصراع. فكلما اقترب اليمنيون من لحظة بناء مشروع وطني حقيقي تدخلت هذه الأطراف لإجهاضه وإعادة إنتاج الشخصنة بأدوات جديدة، وهكذا يظل الوعي الجمعي يركض خلف “نخب سياسية عاجزة” تعيش على إعادة إنتاج الأزمة دون أن تقدم للوطن مشروعاً يحميه من زوال الأشخاص ولا من تربص الحوثي ولا من تحين الانتقالي للانفصال.
أما القطيع السياسي فلا يهمه الوطن بقدر ما يهمه أن يجد شخصاً يهتف باسمه، ذلك الهتاف الذي يشعره بالانتماء الزائف في لحظة من لحظات العوز والضياع. ولكن الانتماء الحقيقي لا يُبنى على الهتاف للأشخاص وإنما على الالتزام بالمؤسسات والدفاع عن القانون واحترام الفكرة الوطنية التي تتجاوز الأشخاص إلى معنى الدولة والمواطنة والمستقبل. وإلى أن يدرك اليمنيون أن الوطن ليس بغياب هادي ولا بحضوره، وأن المشروع الوطني لا يولد من رحم البكاء على الأطلال ولا من رحم اللعن والتدنيس، بل يولد من رحم وعي جمعي يتجاوز الأشخاص إلى المؤسسات، سيظل اليمن رهينة “دائرة الأصنام” التي تدور وتدور دون أن تصل إلى أُفق.



