فاز صحفيان هولنديان من صحيفة “دي فولكسكرانت” بجائزة الصحافة المتميزة ضمن جوائز الصحافة الأوروبية، بعد تحقيق استقصائي حمل عنوان “ما ترويه الجروح”، تناول شهادات أطباء عملوا داخل قطاع غزة خلال الحرب المستمرة، وما وثّقوه من أنماط إصابات طالت الأطفال في القطاع.
وجاء فوز الصحافية مود إفتينغ وزميلها فيليم فينسترا تقديرًا لعمل اعتمد على مقابلات مطوّلة مع أطباء دوليين عادوا من غزة، إلى جانب مراجعة مواد طبية ووثائق وصور وفحوصات سريرية، في محاولة لتوثيق ما وصفوه بشهادات ميدانية حول طبيعة الإصابات خلال الحرب.
ويُعد هذا التكريم من أبرز الجوائز الأوروبية المخصصة للأعمال الصحفية الاستقصائية، والتي تُمنح سنويًا للتقارير التي تساهم في كشف الوقائع ذات الأبعاد الإنسانية والسياسية المعقدة.
شهادات طبية
وبحسب ما ورد في التحقيق، فإن نقطة الانطلاق كانت صعوبة دخول الصحفيين الدوليين إلى قطاع غزة، ما دفع الفريق إلى الاعتماد على الأطباء الذين عملوا داخل المستشفيات بوصفهم من أبرز الشهود المباشرين على مجريات الحرب.
وقالت الصحفية مود إفتينغ إن الفريق ركّز خلال المقابلات على توثيق أنماط محددة من الإصابات التي أبلغ عنها الأطباء، خاصة تلك المتعلقة بأطفال دون سن الخامسة عشرة، ممن أصيبوا بطلقات نارية في مناطق حساسة من الجسد.
وأشار التحقيق إلى أن هذه الشهادات تكررت لدى أكثر من طبيب، ما دفع الصحفيين إلى اعتبارها مادة تستحق مزيدًا من البحث والتدقيق العلمي، دون التوصل إلى استنتاجات سياسية مباشرة، وفق ما أكدته إفتينغ.
توثيق ومواد داعمة
من جانبه، أوضح الصحفي فيليم فينسترا أن الفريق لم يكتفِ بالروايات الشفوية، بل طلب من الأطباء تزويدهم بمواد داعمة شملت صورًا فوتوغرافية، ومقاطع فيديو، ونتائج فحوصات طبية، وصور أشعة، وسجلات سريرية، إلى جانب ملاحظات ميدانية دوّنها العاملون في القطاع الصحي.
وأضاف أن هذه المواد خضعت لمراجعة دقيقة ضمن منهجية تحقق صارمة، نظرًا لحساسية الموضوع وتعقيداته، خاصة في ظل استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى مصادر ميدانية مستقلة داخل القطاع.
الاستعانة بخبراء مستقلين
ووفق التحقيق، استعان الصحفيان بخبراء مستقلين في الطب الشرعي من هولندا وبلجيكا، إلى جانب مختصين في الشؤون العسكرية، بهدف تحليل الصور الطبية وفهم طبيعة الإصابات والأنماط المتكررة التي ظهرت في الحالات الموثقة.
وأوضح فينسترا أن هذا الإجراء جاء لتعزيز دقة العمل الصحفي، في ظل إدراك الفريق لحساسية النتائج والتداعيات المحتملة لأي استنتاجات تتعلق بسياق الحرب.
وأشار التحقيق إلى أن القيود المفروضة على دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دفعت العديد من المؤسسات الإعلامية إلى الاعتماد على مصادر طبية وإنسانية داخل القطاع لتوثيق الأحداث.
كما لفت إلى أن هذه الظروف زادت من صعوبة التحقق الميداني المباشر، لكنها في الوقت ذاته دفعت الصحفيين إلى تطوير أدوات بديلة للتقصي، عبر الاعتماد على شهادات موثقة ومصادر متعددة.
تفاعل وضغوط
وبحسب ما ورد، واجه التحقيق المتوقع نشره انتقادات وضغوطًا من جهات مختلفة نظرًا لحساسية الملف وتباين المواقف بشأن الحرب في غزة، إلا أن إدارة صحيفة “دي فولكسكرانت” دعمت الصحفيين طوال مراحل إعداد العمل ونشره.
وقال فينسترا إن هذا الدعم المؤسسي كان عنصرًا أساسيًا في إنجاز التحقيق، خاصة في قضايا شديدة التعقيد وتخضع لاستقطاب سياسي وإعلامي واسع.
أهمية التحقيق
ويرى الصحفيان أن قيمة التحقيق لا تكمن فقط في نتائجه، بل في منهجيته التي جمعت بين الشهادات الطبية والتحقق الفني، في ظل غياب الوصول المباشر إلى الميدان.
كما أكدا أن الهدف لم يكن إصدار أحكام سياسية، بل عرض ما تم توثيقه من شهادات وبيانات طبية أمام الرأي العام، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ما يجري في قطاع غزة خلال الحرب.
ويأتي هذا التحقيق في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا وتدمير واسع للبنية التحتية في القطاع، ما يضع ملف التوثيق الصحفي أمام تحديات متزايدة تتعلق بالوصول والمصداقية وسد فجوات المعلومات.
ويخلص التحقيق، بحسب القائمين عليه، إلى أن العمل الصحفي الاستقصائي في مناطق النزاع لا يزال يؤدي دورًا محوريًا في نقل الشهادات الميدانية، خصوصًا عندما تتعذر التغطية المباشرة، مع التأكيد على أهمية إخضاع جميع المعطيات لمعايير تحقق صارمة قبل نشرها .
المصدر : وكالات



