في خطوة ذات دلالات سياسية وإنسانية لافتة، صادق مجلس مدينة باريس على قرار يمنح “المواطنة الفخرية” للمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، إضافة إلى الصحفيين الفلسطينيين العاملين في مناطق النزاع، في تعبير رمزي عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويأتي القرار في سياق سياسي داخل العاصمة الفرنسية يشهد تصاعداً في المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية داخل التيار اليساري، مقابل جدل متواصل مع قوى اليمين التي تنتقد مثل هذه الخطوات وتعتبرها غير متوازنة. ورغم طابعه الرمزي غير الملزم قانونياً، إلا أن القرار اكتسب أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة داخل فرنسا وخارجها.
تصويت واسع
وجرى التصويت على القرار خلال جلسة لمجلس بلدية باريس، حيث حظي بدعم أغلبية الأعضاء من التيار اليساري، وسط حضور لافت لسفيرة دولة فلسطين لدى فرنسا هالة أبو حصيرة، التي تابعت مجريات الجلسة وشاركت في استقبال الإعلان الرسمي.
وبحسب مصادر بلدية، فقد قوبل تمرير القرار بتصفيق داخل القاعة، في مشهد عكس حجم التباين السياسي داخل المجلس حول الموقف من الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.
وقال نائب عمدة باريس إيمانويل غريغوار، الذي قدم المقترح بالتعاون مع نائبة العمدة أودري بولفار، إن الخطوة “ليست مجرد تكريم رمزي، بل تعبير عن التزام أخلاقي تجاه المدنيين الذين يعيشون ظروفاً كارثية”، مؤكداً أن المدينة “تسعى إلى حمل رسالة سلام في ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف معاناة السكان”.

دلالات رمزية ورسائل سياسية
ورغم أن “المواطنة الفخرية” لا تمنح أي حقوق قانونية أو إدارية، إلا أنها تُستخدم في السياق السياسي الفرنسي كأداة رمزية للتعبير عن مواقف تضامنية مع شعوب أو قضايا إنسانية حول العالم.
ويستند قرار باريس إلى تقليد سياسي متكرر منذ عام 2001، إذ سبق للمدينة أن منحت هذا اللقب لجهات وشعوب تعيش نزاعات مسلحة أو أزمات إنسانية، من بينها سكان مناطق نزاع دولية مثل أوكرانيا وإقليم ناغورنو كاراباخ.
وأكد مجلس المدينة أن الخطوة تأتي في ظل “تدهور غير مسبوق في الوضع الإنساني في غزة والضفة الغربية”، مشيراً إلى أن المدنيين الفلسطينيين، وخاصة النساء والأطفال، يتحملون العبء الأكبر من العمليات العسكرية المستمرة وتداعيات الحصار المفروض منذ عام 2007.
تكريم خاص للصحفيين الفلسطينيين
وأفرد القرار مساحة خاصة للصحفيين الفلسطينيين، في ظل ما وصفه المجلس بـ”الظروف شديدة الخطورة” التي يعملون فيها، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو مناطق أخرى تشهد توتراً.
ووفق بيانات أوردها المجلس، فقد قُتل نحو 252 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في مناطق النزاع بالشرق الأوسط، غالبيتهم من الفلسطينيين، ما يسلط الضوء على حجم المخاطر التي تواجه الطواقم الصحفية في الميدان.
وأشار القرار إلى أن بيئة العمل الإعلامي باتت تعاني من انقطاع الكهرباء والاتصالات، ونقص الإمدادات الأساسية، ما يزيد من صعوبة نقل الحقيقة من أرض الواقع.
نمد يدنا إلى شعب بأكمله
وخلال كلمته أمام المجلس، قال إيمانويل غريغوار إن باريس “تمد يدها إلى شعب بأكمله”، مخاطباً المدنيين في غزة والضفة الغربية، ومؤكداً أن المدينة تعتبرهم “مواطنين فخريين في إطار رمزي يعكس التزامها بقيم السلام وحقوق الإنسان”.
وأضاف أن الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين “لا يلغي معاناة أي طرف آخر”، في إشارة إلى سعيه لتقديم موقف متوازن داخل النقاش السياسي الفرنسي، رغم حدة الجدل حول توصيف ما يجري في الأراضي الفلسطينية.
كما شدد على أن “المدن، حين تصمت الدول، يمكنها أن ترفع صوت المبادئ الإنسانية”، في إشارة إلى الدور الرمزي الذي تسعى باريس لتثبيته في هذا الملف.
سياق إنساني
ويأتي القرار في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت وفق بيانات فلسطينية عن عشرات الآلاف من الضحايا، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية المدنية.
كما يعاني القطاع من أزمة إنسانية حادة نتيجة الحصار المستمر منذ عام 2007، وتفاقم القيود على إدخال المواد الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود، في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية والإغاثية.
وفي الضفة الغربية، تتواصل كذلك عمليات الاقتحام والاعتقال وتوسع الاستيطان، ما يزيد من حدة التوتر السياسي والأمني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
جدل سياسي وانتقادات
ورغم الطابع التضامني للقرار، إلا أنه أثار انتقادات من أطراف في اليمين الفرنسي، التي اعتبرت أن الخطوة “غير متوازنة” وتركز على طرف واحد من الصراع، مطالبة بإدراج معاناة جميع الضحايا ضمن الخطاب السياسي الرسمي للمدينة.
كما عبّرت جهات يهودية فرنسية عن تحفظها، معتبرة أن مثل هذه المبادرات قد تُفهم على أنها انحياز سياسي في سياق حرب معقدة، بينما دافعت بلدية باريس عن القرار بوصفه “موقفاً إنسانياً لا سياسياً”.
امتداد لمواقف سابقة
ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة مواقف اتخذتها بلدية باريس خلال السنوات الأخيرة، من بينها مبادرات تضامنية مع شعوب تعيش نزاعات مسلحة، إضافة إلى تنظيم فعاليات رمزية دعماً لجهود السلام في الشرق الأوسط.
كما سبق للمدينة أن شاركت في فعاليات تضامنية مع ضحايا الحرب في المنطقة، إلى جانب مواقف علنية داعمة لوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في غزة.
بهذا القرار الرمزي، تعيد باريس التأكيد على حضورها في النقاش الدولي حول الحرب في غزة، من موقع المدينة الذي يسعى إلى تقديم خطاب إنساني يتجاوز حدود السياسة التقليدية، رغم استمرار الجدل الداخلي حول حدود هذا الدور وتأثيره.
وفي حين لا يغيّر القرار واقع الأرض، إلا أنه يضيف طبقة جديدة من الاعتراف الرمزي بمعاناة المدنيين الفلسطينيين، ويضع الصحفيين العاملين في الميدان ضمن دائرة تكريم دولي يسلط الضوء على المخاطر التي يواجهونها في سبيل نقل الحقيقة من مناطق النزاع.
المصدر : وكالات.



