تقارير

العيد المؤجل

كيف تحوّل عيد الأضحى في مناطق الحوثيين إلى موسم للحزن والديون

خاص

في الأزقة الضيقة بصنعاء القديمة، لا يشبه صوت باعة الأضاحي هذا العام ضجيج الأعياد الماضية. تبدو الأسواق مكتظة بالناس، لكن العيون أكثر ازدحامًا بالقلق من البضائع نفسها. رجال يتوقفون طويلًا أمام الخراف ثم يغادرون بصمت، نساء يحملن أكياسًا صغيرة بعد ساعات من المفاصلة، وأطفال يراقبون واجهات المحال كما لو أنهم يشاهدون عيدًا لا يخصهم.

قبل سنوات، كان عيد الأضحى في اليمن مناسبة تتسع فيها البيوت للفرح رغم الحرب والفقر، أما اليوم ففي مناطق سيطرة الحوثيين، أصبح العيد امتحانًا قاسيًا للأسر المنهكة بين انقطاع الرواتب، وارتفاع الأسعار، والجبايات المتزايدة، وتدهور القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

في حي شعوب شمال صنعاء، يجلس محمد علي السقاف أمام محل صغير لبيع المواد الغذائية، يتابع حركة الناس دون أن يخفي خيبة واضحة في صوته. يقول إن المواسم كانت تنقذه سابقًا من الركود، أما الآن فأغلب الزبائن يسألون عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

يضيف: “حتى السكر والأرز صار الناس يشترونه بالكيلو بدل الكيس. العيد هذا العام ثقيل على الجميع، الناس تفكر كيف توفر قيمة الخبز قبل أن تفكر بالأضحية أو الملابس”.

أسواق باهتة

في سوق السنينة غرب العاصمة صنعاء، بدت حركة بيع الأضاحي أضعف من الأعوام السابقة. عشرات الباعة يفترشون الطرقات منذ الصباح، لكن المبيعات محدودة رغم اقتراب العيد.

يقول بائع المواشي خالد يحيى العنسي إن أسعار الأعلاف والنقل ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، ما انعكس مباشرة على أسعار الأغنام.

ويتابع: “الناس تتهمنا بالجشع، لكن الحقيقة أن التاجر نفسه خسران. نقل الخروف من المحافظة إلى صنعاء صار يكلف أضعاف ما كان عليه بسبب الرسوم ونقاط الجباية والضرائب غير الرسمية”.

بينما كان يتحدث، اقترب رجل خمسيني يحمل طفلًا صغيرًا، سأل عن سعر خروف متوسط الحجم، وحين سمع الرقم تنهد طويلًا ثم قال: “بهذا المبلغ أستطيع شراء دقيق وزيت للشهر كله”. غادر الرجل سريعًا، بينما ظل الطفل يلتفت نحو الأغنام وكأنه يحاول تأجيل خيبة والده.داخل السوق، تبدو النساء أكثر حذرًا في الشراء. أم هاشم، وهي أم لخمسة أطفال، تقول إنها اضطرت هذا العام للاستغناء عن شراء ملابس العيد.

تقول بصوت متعب: “اخترنا نوفر قيمة الملابس للأكل. الأطفال زعلوا، لكن ماذا نعمل؟ حتى الحلويات صارت رفاهية”.وتضيف أن زوجها، الموظف الحكومي، لم يتسلم راتبًا منتظمًا منذ سنوات، بينما ترتفع الأسعار قبل كل موسم دون أي رقابة.

موائد فارغة

في الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، تبدو ملامح العيد أكثر قسوة داخل البيوت الفقيرة. في غرفة صغيرة تفتقر لأبسط الاحتياجات، تجلس أميمة عبدالله بجوار أطفالها الثلاثة وهي تحاول خياطة ملابس قديمة لإعادة استخدامها يوم العيد.

تقول: لموقع الوعل اليمني“منذ أسبوع وأنا أفكر كيف أفرح الأطفال. حتى اللحم لم يعد يدخل البيت إلا نادرًا”.

ابنها الأصغر، أيمن، يقاطع الحديث بخجل: “أصحابي يقولون سيشترون ألعابًا جديدة في العيد، وأنا فقط أريد حذاء”.

تخفض الأم رأسها للحظات ثم تعود للحديث بصوت متكسر: “الأطفال لا يفهمون السياسة والحرب، هم فقط يريدون أن يشعروا أن العيد جاء مثل باقي الناس”.

في المقابل، تؤكد تقارير محلية وحقوقية أن تدهور الوضع الاقتصادي في مناطق الحوثيين فاقم معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار توقف الرواتب لمئات الآلاف من الموظفين، وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متسارعة.

ويرى ناشطون اقتصاديون أن الأعياد تحولت إلى مواسم ضغط نفسي واجتماعي على الأسر اليمنية، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار.

يقول الناشط المجتمعي مازن الحميري إن كثيرًا من العائلات أصبحت تلجأ إلى الاستدانة فقط لتغطية الحد الأدنى من متطلبات العيد.ويضيف: “هناك أسر تستدين من أجل شراء ملابس للأطفال حتى لا يشعروا بالنقص أمام الآخرين، ثم تبقى شهورًا عاجزة عن سداد الديون”.

أعباء مضاعفة

لا تقتصر معاناة العيد على الأسر فقط، بل تمتد إلى أصحاب المحال والبسطات الصغيرة الذين يعانون من ضعف القدرة الشرائية.في أحد شوارع صنعاء التجارية، يقف عبدالرحمن فارس أمام بسطة لبيع الأحذية الشعبية. يقول إن الحركة هذا العام هي الأسوأ منذ سنوات.ويشرح: لموقع الوعل اليمني “في السابق كان الناس يشترون أكثر من قطعة لكل طفل، الآن الزبون يبحث عن الأرخص حتى لو كانت الجودة سيئة”.

ويضيف أن بعض الأسر تطلب تأجيل الدفع إلى ما بعد العيد، بينما يرفض التجار الكبار إعطاء الباعة الصغار بضائع بالدين بسبب الخسائر المتراكمة.

أما النساء العاملات في بيع الحلويات والمخبوزات، فيواجهن ظروفًا أكثر صعوبة.تقول فاطمة ناصر، وهي بائعة كعك في أحد الأسواق الشعبية: “الناس تسأل عن الأسعار وكأنها تسمعها لأول مرة. حتى شراء كعك العيد أصبح عبئًا”.

وتشير إلى أن ارتفاع أسعار الدقيق والزيت والسكر دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليص العادات المرتبطة بالعيد.

طفولة حزينة

في دار صغيرة لرعاية الأيتام شمال العاصمة، كان الأطفال يجهزون زينة بسيطة بأوراق ملونة وأشرطة قديمة. رغم محاولاتهم صناعة أجواء فرح، إلا أن الحنين إلى العائلة كان حاضرًا في تفاصيل المكان.

يقول الطفل سامر علي، البالغ من العمر 11 عامًا: “أكثر شيء يوجعنا في العيد أن الناس يعودون إلى بيوتهم ونحن نبقى هنا”.

بينما يضيف طفل آخر يُدعى ياسر محسن: “نفرح بالملابس الجديدة، لكننا نشتاق لأهلنا أكثر”.العاملون في رعاية الأيتام يؤكدون أن الدعم الإنساني تراجع بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، ما جعل توفير احتياجات الأطفال أكثر صعوبة.

وتقول المشرفة الاجتماعية هناء السامعي إن الأعياد تكشف حجم الألم النفسي الذي يحمله الأطفال.توضح: “في الأيام العادية يستطيع الطفل الانشغال بالدراسة أو اللعب، لكن في العيد يشعر بغياب أسرته بشكل مضاعف”.

خوف صامت

في ظل هذه الظروف، يتحدث ناشطون عن تنامي حالة الإحباط المجتمعي داخل مناطق الحوثيين، خصوصًا مع تراجع فرص العمل واتساع رقعة الفقر.

ويقول الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي نبيل القدسي إن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب، بل بتدهور الإدارة الاقتصادية وغياب أي حلول حقيقية تخفف معاناة الناس.

ويضيف: “المواطن يعيش بين أسعار ترتفع باستمرار ودخل شبه معدوم، ومع كل عيد تتسع دائرة العجز والحرمان”.ورغم ذلك، يحاول كثير من اليمنيين التمسك ببقايا الفرح، ولو بطرق بسيطة.

في أحد الأحياء، كانت مجموعة أطفال تلعب بكرات صغيرة صنعت من القماش القديم، بينما جلس آباؤهم على الرصيف يتبادلون أحاديث عن أيام كانت فيها الأعياد أكثر دفئًا وأقل قسوة.

يقول المسن عبدالله قاسم: “زمان كان الفقير يفرح بالعيد مثل الغني، اليوم حتى الطبقة المتوسطة أصبحت عاجزة”.ثم يصمت للحظة قبل أن يضيف: “الحرب لم تسرق المال فقط، سرقت شعور الناس بالحياة”.

فرح مكسور

مع اقتراب عيد الأضحى، تبدو شوارع المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين وكأنها تحاول إخفاء حزنها خلف الزينة والأضواء المحدودة. المحال ترفع لافتات التخفيضات، والباعة ينادون على بضائعهم، لكن الوجوه المتعبة تكشف حجم الانكسار الذي يعيشه اليمنيون.

العيد الذي كان يومًا مناسبة للرحمة والتكافل، تحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى موسم ثقيل تتراكم فيه الديون والخيبات والأسئلة المؤجلة.ورغم كل ذلك، لا يزال اليمنيون يتمسكون بفكرة العيد نفسها، ليس لأن الظروف تسمح بالفرح، بل لأنهم يخشون أن يفقدوا آخر ما تبقى لهم من الأمل.

في نهاية أحد الأسواق، كان طفل صغير يحدق طويلًا في خروف أبيض مربوط قرب الطريق، ثم سأل والده بصوت خافت: “هل سيأتي العيد عندنا مثل الناس؟”.

لم يجب الأب. “اكتفى بالنظر بعيدًا، بينما كانت أصوات الباعة تختلط بزحام المدينة، كأنها تحاول تغطية حزن لا تستطيع الأسواق ولا الأعياد إخفاءه.