تقارير

السود في اليمن.. عبء 1500 عام من التمييز والإقصاء! (تقرير)*

نهى عبدالله

على مدى خمسة عشر قرنًا من الزمن، ظل المهمشون في اليمن منبوذين داخل فئات وطبقات المجتمع، يعانون التهميش والإقصاء، ويعيشون في عزلة منذ أكثر من 1500 عام.. تاريخيًا أُطلق عليهم اسم “الأخدام” أو “العبيد”، وحتى اليوم يتوارثون عبر الأجيال عبء النظرة الدونية.. فاليمنيون يرفضون الاعتراف بهذه الفئة كمكون أساسي في النسيج الوطني اليمني، لهذا بقيَ المهمشون بين التمييز والعنصرية، وجدلية الانتماء والمواطنة.

تحوم التساؤلات حول هذه الفئة، والجدل ما زال قائمًا يدور في مربع البحث عن خبايا التاريخ والتفتيش عن أصول المهمشين التاريخية؛ فمن هم هؤلاء الذين عاشوا على هامش المجتمع اليمني لقرون؟ وما هو واقعهم اليوم في ظل الأحداث المتسارعة والصراعات المستمرة التي تشهدها البلاد؟.

تتعدد الروايات وتتناقض أحيانًا حول أصول المهمشين، وحضورهم التاريخي وظروف قدومهم إلى اليمن؛ لذا فضل موقع “الوعل اليمني” أن يفتح هذا الملف الحاضر الغائب، وأن يتقصى خيوط هذه الحكاية المعقدة، ليسافر عبر الزمن باحثًا عن جذورهم تاريخيًا، متتبعًا تحولات أوضاعهم عبر العصور، وتحديد مكانتهم داخل النسيج الاجتماعي، وكيف تأثرت حياتهم اليومية بالحروب والصراعات التي تعصف بالبلاد منذ بدء تواجدهم وحتى اليوم؟!.

وأنت تمر في الأوساط الشعبية، أو تتجول في أحد شوارع وأسواق مدينة تعز، ستجد في طريقك العديد من أبناء الفئة السمراء يتسولون، فيما البعض يمتهنون حياكة الأحذية، وآخرين يعملون بالأجر اليومي في مهن شاقة ومرهقة، وعندما تكاد تقترب من الواقع أكثر، ستصادف شخصًا من فئة أخرى ينادي أحد المهمشين قائلًا: “يا حبشي، يا خادم.. اغسل السيارة”.. هذه العبارة بما فيها من تمييز عنصري، يؤكد أن النظرة النمطية ما زالت متجذرة في المجتمع اليمني.

تعود هذه المسميات إلى واحدة من الروايات التي يتناقلها اليمنيون، تفيد بأن المهمشين ينحدرون من سلالة جيش الأحباش الذين قدموا لغزو اليمن قبل الإسلام بقيادة أبرهة الحبشي، سنة 525 م، وهُزِموا على يد سيف بن ذي يزن وحلفائه من الفرس، ليبقى بعضهم في اليمن عرضة للنبذ والإقصاء ردًا على انتهاكات الأحباش، التي استمرت حتى العام 575م.

فيما تقول رواية أخرى، إن المهمشين هم بقايا جماعات مدنية جاءت مرافقة للاحتلال الحبشي واستقرت في اليمن، وأصبحوا فيما بعد عبيداً للدولة الزيادية في مدينة زبيد، وكان رئيسهم رجل اسمه «نجاح مولى مرجان الحبشي» استغل انهيار الدولة الزيادية للقضاء على حكامها وتكوين دولة بقيادته وباسمه وهي دولة ((آل نجاح)) بدءًا من 403ه‍ إلى 553ه‍ أي خلال الفترة (1012—1158م).

ومنذ تولي “النجاحيين” سدة الحكم في زبيد والسهل التهامي انتهزوا الفرصة لاستجلاب المزيد من أبناء قومهم الأحباش، وقاموا باضطهاد السكان الأصليين من اليمنيين، فنهبوا الممتلكات وزاد طغيانهم، الأمر الذي جعل الأهالي يشكلون مجموعات مقاومة ضد الدولة النجاحية لينتهي الأمر بإسقاطها والحكم عليهم بأن يكونوا خدماً للمجتمع اليمني، حيث أطلق عليهم مصطلح “أخدام”؛ لذا حُرموا من ميزات عدة، فلا يحق لهم بالمشاركة السياسية، كما أن الوظيفة العامة والمناصب الحكومية ما زالت خطاً أحمرًا بالنسبة لهذه الفئة التي لا يسمح لرجالها سوى بالالتحاق بقطاع “النظافة” لرفع مخلفات الآخرين، وليس أمام غالبية نسائها سوى امتهان التسول.

جذور قديمة

مهمشو اليمن، كما جرت تسميتهم في الخطاب الحقوقي المعاصر، أو “الأخدام”، كما عرفوا بهذه التسمية في الأوساط الشعبية، هم إحدى الفئات الاجتماعية الإثنية المغلقة والمنغلقة في أسفل السلم المجتمعي التراتبي التي تطوقها عزلة اجتماعية خانقة لقرون عديدة.

“المهمشون” مصطلح عالمي أطلقته منظومة الأمم المتحدة على كل الفئات الاجتماعية، التي تعيش على الهامش الاجتماعي ولا تحظى بالاهتمام على الصعيد السياسي والحكومي، وعادةً ما تكون الفئات أقلية عرقية أو لغوية أو دينية تعيش بوطن تحكمه الأغلبية أيا كان شكلها أو انتمائها السياسي وأصلها الاجتماعي.

وفي الحقيقة لم يكن يعرف المجتمع اليمني قديمًا أو حتى حديثًا بهذا المصطلح، إلا مع نهاية عصر التسعينات وبداية الألفية الثالثة. أما قبل، فقد ظهرت العديد من المصطلحات الاجتماعية التي أطلقت على فئة السود أو ما يعرف أمميًا بالمهمشين وكان المصطلح الأبرز هو “الخادم والعبد” وهذه مصطلحات متوارثة ومتداولة ضد السود داخل المحيط الاجتماعي للمجتمع اليمني.

يقول د. نبيل الشرجبي، أستاذ إدارة الأزمات والصراعات في جامعة الحديدة: “هناك شبه اتفاق حول أصول المهمشين الإفريقية وتؤكد الدراسات البيولوجية أنهم يمتلكون نفس سمات وخصائص الرجل الإفريقي، منها الأنوف الواسعة والشفاة العريضة والشعر شديد التجعد وشده السمرة والبنية الجسمانية القوية، لكن الاختلاف كان حول الوضعية السابقة لهم قبل قدومهم اليمن”.

ويضيف الشرجبي: “الرواية الأولى تقول إن المهمشين كانوا ضمن الجنود الحبشيين القادمين مع أبرهة الحبشي عندما غزا اليمن وكانوا شديدي القسوة على اليمنيين، وبعد هزيمة الأحباش في اليمن كانوا هم أسرى الحرب واستُعبدُوا بعد ذلك ليعملوا في مختلف المهن الحقيرة في اليمن”.

وبحسب الشرجبي، فإن الرواية الثانية تفيد أنهم كانوا رهائن من أبناء الطبقات العالية الحبشية وتم أخذهم كرهائن أثناء فترات مختلفة من الصراع بين اليمنيين والأحباش وحتى يضمن اليمنيين خروج كامل الأحباش من اليمن، وفيما يخص التمييز ضدهم، عقب أسرهم تم بيعهم كعبيد يعملون في أحقر المهن التي لم يكن اليمنيون يمارسونها، ومن هنا استمر هذا النمط في التعامل معهم حتى يومنا هذا، ولم تكن هناك أي محاولة لا من قبلهم أو من قبل أي جهة يمنية تغيير ذلك النمط من التعامل معهم، كما أن هذه الفئة كانت، وما زالت ترفض أي محاولة لدمجها في الواقع اليمني وتغيير أوضاعهم”.

ويشير الشرجبي إلى أن المشكلات والأزمات التي يتعرض لها أبناء الفئة السمراء، فهي راجعة لسببين، أحدهما يتعلق برفض المهمشين أنفسهم أي اندماج مجتمعي لفقدهم الثقة في أنفسهم، وأما الآخر يعود إلى المجتمع اليمني وعاداته وتقاليده، التي ترفض مثل ذلك الدمج وهو ما زاد من مشكلاتهم وأزماتهم، ليبقى موقعهم في المجتمع أسفل الترتيب الاجتماعي، مؤكدًا: “لا أعتقد في المنظور القريب أو المتوسط أن يحصل أي تغيير في وضعيتهم الاجتماعية”.

“رأي مختلف”.. يمنيون بالواقع

المفكر اليمني والكاتب السياسي، عبدالباري طاهر يقول، إن “الأخدام يمنيون بحكم الواقع والتاريخ وكل الدساتير والقوانين والأعراف الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنهم من أبناء الخَمس -في المجتمع اليمني شديد التمييز والظلم- وهم الأخدام والدواشين والمزاينة والمزارعين وأصحاب المهن والحرف والصنايع”.

ويوضح أن المجتمع القبلي في اليمن، قائم على التراتب المتمثل، مشايخ الضمان، «كبار المشايخ وهي أعلى مرتبة في سلطة الاتحاد القبلي، تستخدم في القبائل اليمنية حاشد، وبكيل، ويعد شيخ الضمان مخولًا من قبائلهم بعقد المعاهدات والاتفاقات والأحلاف مع الدولة والقبائل الأخرى أو حلها، وتمثيل القبيلة أمام الدولة والقبائل الأخرى»، ثم السيد، القاضي، الرعية، ثم أبناء الخمس”.

ويستطرد قائلًا: “المواطن في المجتمع القبلي حسب قواعد السبعين، هو حامل السلاح ولذلك يعتبر الطفل والمرأة غير معدودين في قواعد ملازم السبعين وغير معنيين بشيء”.

وتعد “قواعد اليمن السبعون” العرفية هي القانون العام لقبيلة دَهَمْ كلها في العرف والسلف القبلي، وضعت سنة 1127هـ – 1527م، وقصتها تتلخص أنه “اجتمع سبعون شخصية من أبناء ذو محمد في منطقة “برط” التابعة لمحافظة الجوف اليمنية، قبل ثلاثمئة سنة، وكلفوا أنفسهم بوضع قواعد وأحكام ومواد ونصوص عرفية تحكم القضايا الجنائية والمدنية والشخصية والحرب والسلام.

وحول قبيلة دَهَمْ التي وضعت القواعد السبعين، فهي قبيلة عربية من قبائل همدان تسكن محافظة الجوف- اليمن، في جنوب الجزيرة العربية؛ وقد لُقبت بـ “دَهَمْ الحمراء أو دَهَمْ شرابة الدم”، وتعود التسمية لكثرة الحروب التي خاضتها وشراستهم في خوض المعارك والغزوات.

يشير المفكر اليمني، طاهر، إلى أن “الأخدام هم المطرودون من الحكم أو المهزومون في التاريخ القديم، فالمهزومون على يد سيف بن ذي يزن والفرس تحولوا من سادة وحكام إلى عبيد ولهم جذور يمنية كقراءة المفكر والباحث المهم الدكتور جعفر الظفاري ويشهد بصدق قراءته ما قام به أبرهة من تجديد لبناء سد مأرب، ودولة أكسوم في اثيوبيا والحضارة اليمنية والإثيوبية مشتركة ومتداخلة في العصور الوسطى، وبعد انتصار علي مهدي الرعيني الخارجي تحولت دولة بني نجاح في زبيد من سادة وحكام إلى مستعبدين وأخدام وحقًا فإن الكثير من اليمنيين عبر مراحل مختلفة ويتحولون إلى خدام ومهمشين.

ويتابع قوله، إن الكثير من الباحثين اليمنيين درسوا وضع الأخدام ومنهم د.جعفر الظفاري والأستاذ عبده علي عثمان والباحث محمد سالم شجاب، ويلفت طاهر إلى أن التمييز يمتد إلى الفئات العليا كالمشايخ والسادة والقضاة، أما الرَعِية صناع الخيرات المادية ومنتجي الثروات منهم أيضا في المراتب الدنيا، وهم منتقصون وعرضة للظلم والاضطهاد.

ويرى طاهر، أن التمييز سمة عامة في الحكم اليمني وفي القوى التقليدية والمحافظة وبعض رجال الدين، ولكن التمييز والانتقاص لا يطال أبناء الخمس وحدهم، إنما يشمل المراتب العليا في المجتمع، فداخل الفئات العليا في المجتمع تمايز واستعلاء وانتقاص والتمييز وباء خطير على المجتمع ككل.

أقلية عرقية

منصة “الوعل” حملت العديد من التساؤلات المتعلقة بالنظريات السائدة حول أصول أبناء الفئة السمراء، إلى رئيس اتحاد المهمشين في اليمن، نعمان الحذيفي، الذي بدوره أكد: “حقيقة تتضارب المراجع والمصادر التاريخية حول أصول السود منهم ذهب للقول بأن أصولهم حبشية وتعود تحديدًا لعصر الاحتلال الحبشي لليمن ومنهم من يرجح أصولهم لعصر الدولة النجاحية على الساحل الغربي لليمن، ومنهم من يرجع أصولنا للحميرين وهو الراجح إذا ما عدنا إلى تاريخ نشأة الدولة الحبشية، التي أثبتت الدراسات التاريخية بأن أصول الأحباش يعود لليمن وتحديدًا للحميريين”.

وعما إذا كان هناك أدلة تاريخية أو جينية تدعم أيًا من هذه النظريات؟ علق الحذيفي قائلًا: “دائمًا ما يكتب التاريخ من مفكري المنتصرين خلال فترات الحروب. بمعنى أنه من يكتب التاريخ هو المنتصر وبالتالي تجده يركز على الجانب السلبي لأي فئة كان له خلاف معها”.

هكذا إذًا، عاش اليمنيون السود “المهمشون” كأقلية عرقية أثنية تجمعهم قواسم مشتركة، تختلف اختلافًا كليًا مع بقية فئات المجتمع وإن ربطتهم علاقة الدين والأرض والمصير المشترك، ويعتبرون فئة اجتماعية مغلقة ومنغلقة على نفسها، وتعيش في عزلة تامة عن باقي المجتمع، وتقع في أسفل السلم المجتمعي التراتبي؛ ويتسم المنتمون لهذه الشريحة بملامح إثنية إفريقية كالبشرة السمراء والشعر الأكرت؛ فمنذ مئات السنين يتعرضون للتهميش والإقصاء والنبذ والتمييز الاجتماعي، نتيجة للمعتقدات والعادات المتوارثة عبر الأجيال، والثقافة المغروسة في الأذهان حول سمات وسلوكيات المهمشين.

ففي فترات مختلفة، وعلى مر التاريخ كان يتم التعامل مع السود في اليمن، باعتبارهم أسرى حرب وبقايا غزاة؛ لكن لم يتم حرمانهم من حقوقهم بشكل كبير، إلا بعد سقوط الدولة النجاحية على يد مؤسس الدولة المهدية وعاصمتها تهامة، التي قامت على إثر سقوط دولة بني نجاح، حيث أصدرت مرسوما ملكيا جُرِّد من خلاله النجاحيون من كثير من حقوق ومزايا المواطنة، بل واعتبارهم خدم لدى بقية فئات المجتمع اليمني، بحسب الحذيفي.

وبالتالي فإنهم (أي السود) لا يتمتعون بذات الحقوق مع بقية فئة المجتمع، من حيث الخدمات الأساسية وفرص التعليم والرعاية العلاجية، والحصول على فرص التدريب والعمل، والحماية الاجتماعية والمقاضاة العادلة، ناهيك عن حرمانهم من حق المشاركة في الحياة الاقتصادية والمدنية والتمثيل السياسي بهيئات ومؤسسات الدولة الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية على قدم المساواة مع بقية فئات المجتمع.

وفيما يخص وضع المهمشين في الحياة العامة قديمًا، يؤكد الحذيفي أن المهمشين كانوا بقايا دولة بني نجاح، وكان لهم من حكم اليمن نصيب استمر لأكثر من مئة وخمسين عامًا، ومنذ ذلك الحين وحتى العصر الحديث لليمن لا يوجد أي مشاركة لهم في إدارة الشؤون العامة للدولة، وعبر التاريخ لم يكن للمهمشين أي تمثيل سياسي، سواء في هرم الأحزاب السياسية أو السلطات التشريعية المنتخبة باستثناء وصول عدد محدود لعضوية المجالس المحلية والتمثيل بعضوية مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2014، وما دون ذلك لم يسجل التاريخ أي تمثيل سياسي للمهمشين.

إضافة إلى ذلك، فإن كثيرا من الدراسات وآخرها دراسة د. نفيسة الجائفي، والدكتور عبده علي عثمان والشرجبي فإن المهمشين يحتلون المرتبة الدنيا في سلم الهرم الاجتماعي للمجتمع، الذي يتوزع بين أكثر من سبع عشرة طبقة اجتماعية، معللًا هذا الترتيب الذي تحتله فئة المهمشين أنه نتاج فعل عنصري وليس هناك أي مبرر آخر.

ورغم أن القانون اليمني يكفل المساواة لجميع المواطنين، يبدو جليًا، أن ما يتعرض له السود من عنصرية وطبقية ناتجة عن العادات والتقاليد السلبية المتوارثة لدى المجتمع اليمني، القائم على أساس المكانة القبلية والجهوية والطبقية، حيث أسهمت هذه المفردات العنصرية بشكل كبير لممارسة المجتمع للعنصرية تجاه السود، إضافة إلى أن الدستور اليمني والقوانين الحالية لم تتضمن نصوصًا قانونية تُحرِّم وتُجرِّم العنصرية بمختلف كافة أشكالها في المجتمع اليمني.

فاتحون دينيون

الناطق الرسمي باسم الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا “المهمشين”، عبدالغني عقلان، ينتمي لنفس الفئة، يتحدث لمنصة “الوعل”، حول “تختلف الروايات التأريخية المتعلقة بجذور السود، خاصة التي كُتبت من جانب عنصري تمييزي واعتبرتهم غزاة أحباش؛ لكن الحقيقة أنهم فاتحون دينيون جاءوا لنصرة الدين المسيحي عندما أراد باذان أن يفرض الديانة اليهودية بدعوة من الأقيال اليمنية، وينتمون تأريخًا إلى مملكة أكسوم الحبشية، التي كانت تمثل امبراطورية عظيمة حينها. وقاموا بتأسيس دولة “بني النجاح” (الدولة النجاحية) التي حكمت عشرات السنين وكانت عاصمتها زبيد.

ويضيف أن معاناة المهمشين تطورت عبر مراحل طويلة، فبعد الانقلاب الذي قاده سيف بن ذي يزن ضد الدولة النجاحية، أصبح بعض النجاحيين السود أسرى حرب، فيما البعض قتلوا، وآخرين عادوا إلى الحبشة واجتمعت القبائل المنتصرة وأطلق على السود مصطلح ومسمى (الأخدام) كعقاب تأريخي، وما زال الاسم شائعًا حتى اليوم بسبب الحقد الطبقي والكراهية الممنهجة ضدهم.

ويعتبر المهمشون السود أقلية عرقية ذات أصول سوداء رغم أن عددهم يصل إلى 3,500,000 نسمة، وقد ساهمت عدة عوامل في تشكيل هويتهم أبزرها التمييز العنصري الممنهج ضدهم وحرماناهم من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، إضافة لعزلهم عن المجتمع في أكواخ وعشش مبنية من الصفيح والأخشاب المهترية والأحجار الصغيرة في أطراف القرى والعزل وعلى مجاري السيول.

المتحدث باسم الاتحاد الوطني، عقلان، أرجع سبب معاملة المهمشين بعنصرية، إلى أنها نتاج تصويرهم من قبل كتاب التأريخ المتعنصرين بأنهم غزاة أحباش قاموا باحتلال اليمن، ومارسوا أبشع أنواع القتل والتعذيب وممارسة انتهاكات جسمية في حق الشعب اليمني، نتج عن هذا التصوير الخاطئ كراهية مطلقة للسود وحقد طبقي ممنهج توارثته الأجيال جيلا بعد جيلا.

إقصاء السود

يؤكد لـ “الوعل”، أن الشيء الوحيد المتفق عليه وسط اليمنين بمختلف المكونات السياسية والقبلية، هو إقصاء وتهميش الفئة ذوي البشرة السوداء “المهمشين” – ما يعرف تاريخيًا “الأخدام”؛ فمنذ حوالي 1000 عام وهم يعانون -السود- كافة أشكال التمييز العنصري، ويعتبر هذا السلوك ضد السود أطول تمييز عنصري في العالم.

ويستطرد موضحًا أن المهمشين حُرموا من كافة حقوقهم المدنية والسياسية، وفُرِضت عليهم أعمال السخرية كالنظافة والصرف الصحي وحياكة الأحذية في الشوارع والتسول وقرع الطبول عند الأعراس.

ويؤكد عقلان، أنه لا يوجد اختلاف جوهري بالنسبة لوضع المهمشين في الحياة العامة سواء في الماضي أو الحاضر؛ فمع استمرار العنصرية وسط المجتمع اليمني، لا تزال حتى اليوم تُمارس ضدهم طقوس العبودية والاستغلال الممنهج والإقصاء من كافة الحقوق المدنية، رغم وجود ضغوطات دولية لتحسين وضعهم ودمجهم اجتماعيًا، إلا أن الموروث الاجتماعي لا يزال هو المهيمن والعنصرية تتسع يومًا بعد يوم حتى وصلت إلى الإبادة العرقية واغتصاب الفتيات السمراوات والتهجير القسري من أماكن سكنهم، حد تعبيره.

يرجع عقلان سبب هذه الممارسات، لموقع الفئة السمراء أسفل السلم الاجتماعي، الذي ينتهي بـ “الأخدام”، مما جعل كل الطبقات الاجتماعية تُمارس كافة أشكال التمييز العنصري ضد المهمشين، في مختلف المناطق عدا جنوب اليمن، الجزء الذي وصفه عقلان بأنه شهد تقدمًا ملموسًا قبل الوحدة (أي قبل العام 1990)، تمثل بدمج السود في المجتمع وأوصلوهم إلى مواقع صُنع القرار في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

لكن مقارنة بالوضع اليوم، فإن المهمشين يعيشون وسط فوضى عارمة تعم اليمن، بسبب الحرب القائمة بين جماعة الحوثي، وقوات الحكومة الشرعية؛ حيث أدى هذا الصراع إلى تفاقم معاناة المهمشين في مختلف الجوانب المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تدهور الخدمات العامة لهم في كل مناحي الحياة، وارتفاع نسبة الفقر والتهميش والعنصرية.

تهميش متجذر

رغم الدستور اليمني والقانون، الذي يكفل حق المساواة بين المواطنين، إلا أن الواقع يختلف تمامًا، ففي محافظات اليمن، تُحرم طبقة المهمشين من المشاركة السياسية سواء عبر الترشح للمناصب العامة، أو حتى الانخراط الفاعل في الأحزاب السياسية.. وتُعد هذه الفئة غائبة بشكل شبه كلي عن التمثيل في المجالس المحلية والبرلمانية، إذ لا يُسمح لأفرادها بالمشاركة الكاملة في الحياة السياسية، الأمر الذي يُقصيهم من المساهمة في صنع القرار.

ويمثل حرمان المهمشين من حق المشاركة في الحياة السياسية وتقلد المناصب الحكومية، أحد أبرز مظاهر التمييز الاجتماعي في البلاد؛ إذ يُعاني أفراد هذه الفئة من إقصاء مستمر يُزيحهم من مراكز القرار ويحد من مشاركتهم في بناء الدولة، مما يعمق معاناتهم الاقتصادية والاجتماعية ويكرس عزلتهم عن المحيط والمجتمع.

هذا الإقصاء السياسي للمهمشين، يعود سببه إلى جذورهم التاريخية، ففي الوقت الذي جرى تصنيفهم أسفل السلم الاجتماعي، ارتبط هذا التصنيف بفكرة أن هذه الطبقة غير جديرة بالقيادة أو المشاركة في صنع القرار، فالمجتمع اليمني مجتمع قبلي بطبيعته، حيث تُهيمن القبائل على الحياة السياسية، وتُعتبر القبائل مراكز قوة تُحتكر المناصب السياسية من قِبَل أبناء القبائل المؤثرة، بينما تُستبعد الطبقات الأقل نفوذًا.

يقول ناشطون مهمشون، إن غياب الدعم السياسي لأبناء هذه الفئة، يُوسع دائرة الإقصاء والتهميش، مؤكدين أن الأحزاب السياسية في اليمن لم تُظهر اهتمامًا كبيرًا بدمج المهمشين في أنشطتها أو منحهم فرصة للتمثيل داخلها، وهو ما يعكس تجاهلاً واضحًا لهذه الشريحة.. التغييب عن المشهد السياسي، تسبب بصرف النظر عن قضايا المهمشين وعدم إدراجها في السياسات العامة، لذا ظلت احتياجاتهم ومطالبهم بعيدة عن الأولويات الوطنية، مما عمق شعورهم بالإقصاء.

تهميش مؤسسي.. الوظائف خط أحمر

بقدر ما حُرم المهمشون من التمثيل السياسي، حرموا أيضًا من الوظائف العامة الحكومية والخاصة، ويقتصر عمل غالبية أبناء هذه الفئة، على العديد من المهن المحتقرة، والأعمال المزرية، التي ينبذها المجتمع، مثل رفع مخلفات الآخرين، تنظيف الشوارع، إحياء حفلات الزفاف، حياكة الأحذية (الإسكافية)، إصلاح مجاري مياه الصرف الصحي، فيما تنخرط نسبة كبيرة من الأطفال والنساء في التسول بسبب ما يواجهونه من ممارسات تمييز ونبذ مجتمعي.

يُنظر إلى المهمشين في اليمن، كمجموعة غير مؤهلة وغير قادرة على تحمل المسؤوليات الإدارية.. هذه الصورة النمطية تمنعهم من الحصول على الوظائف الحكومية، إضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بالفقر والحرمان من التعليم وصعوبة تجاوزهم للقيود المفروضة عليهم، وافتقارهم للمؤهلات، وكذلك غياب التشريعات المساندة فالقوانين لا تُلزم المؤسسات بتوظيف المهمشين ومنحهم فرصًا متساوية، وهذا ما يزيد من عزلتهم عن القطاع العام.

ويترتب على هذا الإقصاء الوظيفي توارث الفقر، وبحسب كثيرين فإن عدم توظيف المهمشين يؤدي إلى إبقائهم في مربع الفقر والجوع، حيث لا تتوفر لهم مصادر دخل ثابتة أو فرص تحسين أوضاعهم الاقتصادية؛ فضلًا أن التهميش المؤسسي وغيابهم عن القطاع الحكومي يُعزز فكرة أنهم غرباء عن مؤسسات الدولة، ويكرس الشعور لديهم بعدم الانتماء.

يُعتبر حرمان المهمشين من المشاركة السياسية والوظائف الحكومية انتهاكًا لمبدأ المساواة، ويضاعف الشعور بالدونية والاغتراب لدى أفراد هذه الفئة، فالتقارير والدراسات البحثية تشير إلى أن نسبة توظيف المهمشين في مؤسسات الدولة تكاد تكون معدومة، مما يعكس إقصاءً ممنهجًا يتناقض مع مبادئ العدالة الاجتماعية.

وعلى مدار العقود الماضية، تبرز نماذج الإقصاء للمهمشين، ففي الانتخابات التي شهدها اليمن الجمهوري، لم تُتح للمهمشين فرص الترشح أو حتى التعبير عن تطلعاتهم عبر ممثلين منتخبين.. الأمر الذي يُعمّق الانقسامات الاجتماعية ويعرقل تحقيق العدالة، ومعالجة هذه القضية -وفق مراقبين- تعد خطوة أساسية لبناء مجتمع متماسك قائم على المساواة، حيث تتطلب إرادة سياسية حقيقية وإجراءات شاملة تضمن دمج المهمشين، ومنحهم الفرصة للمساهمة في بناء مستقبل اليمن.

الزواج المحظور

يُعَدُّ التزاوج بين فئة المهمشين وبقية فئات المجتمع اليمني من المحظورات الاجتماعية الصارمة التي ترسخت عبر أجيال متعاقبة.. يُنظَر إلى هذه الفئة على أنها الأدنى في السلم الاجتماعي، مما يؤدي إلى تمييز ممنهج ضدها يشمل جميع نواحي الحياة، وحظر التزاوج مع أفراد القبائل اليمنية.

نبيل المنصوري، أحد أبناء مديرية النادرة في محافظة إب اليمنية، (وسط اليمن)، كسر هذه القيود بزواجه من فتاة تنتمي إلى فئة المهمشين، متحديًا بذلك الأعراف والتقاليد المتجذرة؛ لكن خطوته هذه لم تمر دون تبعات، إذ واجه انتقادات لاذعة من مجتمعه المحلي، ووجد نفسه محاصرًا بنظرات النبذ والتنمر الاجتماعي. دفعه هذا الضغط إلى الانتقال والعيش في مخيمات المهمشين، حيث شعر بقبول أكبر وسط من يعانون من التهميش ذاته.

في هذا الفيديو، يبدو الرجل، مقتنعًا بزواجه من هذه الفئة، رغم الانتقادات التي تلقاها، وتخليه عن أهله وأسرته ومنزله، حيث تعتبر قصة نبيل نموذجًا يوضح العقوبات الاجتماعية القاسية التي يواجهها الأفراد الذين يحاولون تجاوز القيود المفروضة على التزاوج بين الفئات المختلفة في اليمن، والأعراف التي تُكرّس الانقسام الاجتماعي والتفرقة.

هكذا يستمر التمييز ضد فئة المهمشين، التي تعيش ظروفًا قاسية تفتقر إلى أبسط الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها الفئات الأخرى؛ ففي غالبية مناطق اليمن، ثمة طبقات رئيسية تتمثل بالقبائل: وهي القوة التقليدية التي تتحكم في القرارات الاجتماعية والسياسية. وتُعتبر الفئة العليا في المجتمع اليمني، وتختلف مكانتها ونفوذها حسب سلطتها وعدد أفرادها.

ثم تأتي طبقة “المزاينة” كما يطلق عليهم في اليمن، إذ يعود أصل هذه الفئة إلى القرن السادس الميلادي، حين أرسل كسرى الأول مجموعة من الرقيق مع ملك اليمن سيف بن ذي يزن لمساعدته على طرد الأحباش؛ حيث استقر هؤلاء في اليمن وتزوجوا من نساء يمنيات، ليشكلوا طبقة جديدة، ورغم أنهم حكموا اليمن لقرون واحتلوا مراكز اقتصادية مرموقة، فإن وضعهم الاجتماعي بقي أقل من القبائل.

فيما يأتي بعدها طبقة المهمشين (الأخدام)، وتعتبر هذه الفئة أدنى طبقة اجتماعية في اليمن، يعاني أفرادها من التهميش والتمييز في جميع نواحي الحياة، بما في ذلك عدم الاعتراف الرسمي بزواجهم، مما يفاقم من مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

يسهم حظر التزاوج بين المهمشين وباقي الفئات المذكورة، والفصائل والطبقات المتواجدة باليمن- في تعزيز الفجوة الاجتماعية، ويُبقي على منظومة التمييز الطبقي. الأفراد الذين يحاولون تحدي هذه الأعراف يُواجهون بالنبذ الاجتماعي والعقوبات القاسية، مما يدفع البعض إلى العيش في عزلة أو الهروب من مجتمعاتهم، بحسب عبده سعيد، ناشط مدني في قضايا المهمشين.

ويؤكد في حديثه لمنصة “الوعل”، أن حظر التزاوج بين المهمشين وباقي الفئات يعد واحدًا من أبرز مظاهر التمييز الاجتماعي، مما يؤدي إلى استمرار معاناة أبناء هذه الفئة وتعميق الفجوة الطبقية.

أوراق ثبوتية

الهوية الشخصية.. وسيلة أساسية تمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم القانونية والاجتماعية، وتحقيق الاعتراف القانوني بمواطنتهم، إلا أن شريحة كبيرة من المهمشين في اليمن تواجه معضلة عدم امتلاك هذه الوثائق، مما يؤدي إلى سلسلة من التداعيات السلبية التي تعمّق معاناتهم وتزيد من التمييز الاجتماعي الذي يتعرضون له.

يواجه معمر الشميري، ناشط مدني وممثّل فئة المهمشين في حكومة الشباب اليمنية، تحديات كبيرة بسبب عدم امتلاكه بطاقة شخصية.. هذا النقص حال دون حصوله على عدة فرص عمل، وأعاق معاملاته في مؤسسات عامة وخاصة.

يحكي الشاب لمنصة الوعل، أنه عندما قرر استخراج البطاقة، توجه إلى مصلحة الأحوال المدنية في محافظة تعز، لكنه اصطدم بطلبات تعجيزية، منها توفير معرفين يثبتون صحة بياناته، كونه يعيش بمفرده في المدينة لغرض الدراسة والعمل، ولم يكن لديه معارف يمكنهم مساعدته في هذا الجانب.

هذه المتطلبات، تُعد جزءًا من إجراءات استخراج الهوية الشخصية، حيث بدت لمعمر مرتبطة أكثر بكونه من فئة المهمشين، مما يعكس تمييزًا وممارسات عنصرية بحق غالبية أبناء هذه الفئة، وبحسب تقديرات فإن نحو 50-70% من المهمشين لا يمتلكون بطائق شخصية أو جوازات سفر، فالبقاء دون هويات يحرمهم من حقوق أساسية، مثل حرية التنقل، السكن، التعليم، والحصول على الوظائف العامة والحرمان من الحصول على جوازات السفر، وهذا ما يزيد من تهميشهم داخل المجتمع.

معمر، بعد خيبة أمله في الحصول على الهوية، انصرف إلى العمل التطوعي، مؤمنًا بأن المهمشين لا يمتلكون الوقت للبحث عن حقوقهم المسلوبة، فهم منشغلون بالسعي وراء لقمة العيش، بالإضافة إلى الشعور بعدم الحاجة لامتلاك أوراق ثبوتية أو هويات شخصية، لاعتقادهم بأن المجتمع ينبذهم ويرفض التعامل معهم كمواطنين.. الأمر الذي يؤكد بأن التمييز الاجتماعي الراسخ ضد أصحاب البشرة السمراء يحول دون حصولهم على حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها امتلاك الهوية الشخصية.

العقيد إسكندر المخلافي، مدير عام إدارة الأحوال المدنية بمدينة تعز، يرد على استفسارات “الوعل”، حول العراقيل التي تقف أمام حصول المهمشين على البطاقة الشخصية: “نحن لا نرفض منحهم بطائق شخصية، بل نرحب بهم لكن ما يعيقهم أن غياب الوعي لدى الأجيال السابقة بأهمية الوثائق الرسمية، ساهم في عدم انتقال هذه الممارسة للأجيال الجديدة”.

يضيف: “عندما يأتي أحد أبناء الفئة السمراء يطلب استخراج بطاقة شخصية، نحن نسير وفق آلية معينة لا يمكننا تجاوزها.. مثلًا يحضر الشخص مع الوثائق التي تثبت بأن اسمه حقيقي، سواء شهادة ميلاد أو شهادة الثانوية مع بطاقة والده.. ولتسهيل الأمر أمام المهمشين نطلب منهم إحضار معرفين اثنين يشهدوا للشخص أن اسمه مثلا محمد عدنان مهيوب عبدالله، ومباشرة تسير الإجراءات”.

ويشير في حديثه: “نسبة كبيرة من المهمشين تعاني من الأمية، ما يجعلهم غير مدركين لإجراءات التسجيل والوثائق المطلوبة، وضعف التوعية المجتمعية بدور الوثائق الرسمية وأهميتها في الحصول على الحقوق.. فالفقر المدقع يجعل استخراج الأوراق الثبوتية عبئًا ماديًا بالنسبة للمهمشين، ناهيك عن إصرارهم على العيش في عزلة جغرافية ومناطق نائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل مكاتب الأحوال المدنية، والمدارس وغيرها.

يواجه المهمشون صعوبات في توثيق عقود العمل، والزواج، والإيجارات، مما يجعل حقوقهم القانونية عرضة للضياع؛ ويصعب عليهم إثبات هوياتهم أمام الجهات القضائية أو المطالبة بحقوقهم القانونية، مما قد يُعرضهم للاستغلال والانتهاكات، وبحسب عشرات الأسر المهمشة في مدينة تعز، فإن عدم حصولهم على الهويات الشخصية يمنعهم من الوصول إلى الخدمات الصحية، الإعانات الاجتماعية، والتوظيف الرسمي، وكذلك المعونات الإنسانية والمساعدات الإغاثية المقدمة من المنظمات الأممية والجهات الداعمة.

يضع ناشطون بعض التوصيات لمعالجة هذه المشكلة، مؤكدين أنه توجد حلول عدة، تشمل تسهيل إجراءات التسجيل المدني، وإنشاء وحدات متنقلة للتسجيل في المناطق النائية التي يقطنها المهمشون، وتبسيط متطلبات استخراج الوثائق الثبوتية وخفض تكاليفها، وإطلاق حملات توعوية لتعريف المهمشين بأهمية الهويات الشخصية وكيفية استخراجها، وإشراك منظمات المجتمع المدني في تعزيز الوعي وتوفير الدعم لهذه الفئة، مع ضرورة إصدار قوانين تلزم الدولة بتوفير الوثائق الثبوتية للمهمشين مجاناً.. بما يلبي مبدأ تعزيز المساواة وإدماج المهمشين في المجتمع من خلال سياسات تهدف إلى القضاء على التمييز وتحقيق المساواة.

الدمج في اليمن

يشهد المجتمع اليمني حالة من التباين الاجتماعي نتيجة العادات والتقاليد المتجذرة، التي تُكرّس التمييز ضد بعض الفئات، أبرزها الفئة السمراء التي تعاني من التهميش والعنصرية على مدى قرون طويلة، فالتمييز أدى إلى عزلتهم الاجتماعية وعدم اندماجهم الكامل في المجتمع، خاصة مع وجود سياسات حكومية محدودة وغير فعّالة.. هذا ما جعل المهشمين يواجهون صعوبات كبيرة في تحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية.

يقول مختصون في علم الاجتماع، إن أسباب عدم اندماج الفئة السمراء في المجتمع، تتلخص في العادات والتقاليد المتجذرة، والتمييز الطبقي بين اليمنيين، الذين اعتادوا النظر للمهمشين على أنهم طبقة دنيا لا تستحق المساواة مع بقية فئات المجتمع اليمني، إضافة إلى الفصل الاجتماعي وإجبار المهمشين على العيش في مناطق معزولة، مما يعمق الفجوة بينهم وبين باقي السكان.

ويشير إلى أن السياسات الحكومية السابقة، لم تكن موجهة بشكل كافٍ لمعالجة قضايا التمييز الاجتماعي، ناهيك أن غياب الاستراتيجيات الفعالة، جعلت الجهود تقتصر على مبادرات مؤقتة وغير مستدامة، مما أدى إلى استمرار المشكلة، إضافة إلى أن غياب الخطط الشاملة لتوفير فرص التعليم والتوظيف للمهمشين يعزز عزلتهم، التي تتضاعف مع صعوبة ظروفهم المعيشية، وغياب الوعي المجتمعي.

فيما يرى آخرون أن التعليم هو مدخل لدمج المهمشين بالمجتمع، ويشدد مختصون على أهمية تقديم التعليم المجاني للمهمشين وضمان التحاقهم بالمدارس دون أي قيود، وإطلاق برامج محو الأمية، التي تستهدف كبار السن والشباب لتعزيز قدراتهم ورفع مستوى وعيهم؛ كما يوصي الخبراء بإطلاق مشاريع تنموية توفر فرص عمل لائقة لهم وتحسين مستوى الدخل، وتمكينهم من إنشاء مشاريع صغيرة عبر تقديم قروض ميسرة ودورات تدريبية.

ويؤكد اجتماعيون أهمية إصلاح القوانين ومكافحة التمييز داخل المجتمع، ووضع تشريعات مناهضة للتمييز، وإصدار قوانين واضحة تجرّم أي شكل من أشكال التمييز ضد المهمشين، بالإضافة إلى تعزيز المساواة، ورسم سياسات تهدف إلى إشراكهم في الحياة العامة وصنع القرار على المستوى المحلي والوطني.

وكذلك توطين المهمشين من خلال تحسين البنية التحتية في مناطقهم، وتوفير الخدمات لهم، وتشجيعهم على السكن المختلط، وإزالة الفصل المكاني بينهم وباقي المجتمع لتسهيل التفاعل الاجتماعي، والتركيز على محاربة العادات السلبية، والتوعية بمخاطر العادات والتقاليد التي تُعزز التمييز الاجتماعي، وتعزيز ثقافة قبول الآخر في المناهج الدراسية، وإنشاء منصات تمكن المهمشين من التعبير عن احتياجاتهم والمشاركة في اتخاذ القرارات.. هذه السياسات العامة المستقبلية قد تكون المفتاح لتحقيق دمج ناجح وضمان حق المهمشين في حياة كريمة.

أسوأ الفئات

وتعليقًا على مسألة ما يواجهه المهمشون السود، الناشط محمود رزق الله بهكلي، ينتمي لفئة المهمشين اليمنيين، يعتبر أن التراتبية الطبقية في اليمن، أوجدت كل التعسفات العنصرية ضد المهمشين، ففي فترة ما قبل ثورة 26 سبتمبر كانت حقوقهم شبه معدومة، يعانون من التهميش، والأحكام القبلية الجائرة، وتفرض عليهم طقوس وأعراف وعادات تعزز من تحقيرهم وقهرهم، وتكرس حياتهم الدونية، مؤكدًا أنهم كانوا يحرمون من التعليم، بل يُرفض التحاقهم بأي كتاتيب تعلم القراءة والكتابة والقرآن.

يضيف في حديث خاص لمنصة “الوعل”، أنه كانت تجري على المهمشين عادات تعسفية -تؤكد ما تريده الطبقات العليا من بقاء هؤلاء في وضعهم الدوني-، في كثير من مناطق تواجدهم -خصوصًا تهامة- يمنعون من تسمية أولادهم بالأسماء الحسنة سيما أسماء الأنبياء وآل البيت والصحابة، وكانوا يمنعون من لبس بعض الأزياء التشريفية كالخناجر والطواقي الفاخرة أو امتلاك السلاح، ويمنعونهم كذلك من الظهور بالمظاهر التي تظهر بها الطبقات الأعلى.

يستطرد بهكلي، أن المجتمع كان يجبرهم على مقاعد معينة في التجمعات، والعيش في مساكن معينة، بل وصل الأمر إلى منع البعض لهم من ارتياد دور العبادة بحجة أنه نجس، كما جرت العادة في بعض الأماكن على منعهم من الدفن في المقابر العامة، ومن أهم ما يفرض عليهم اجتماعيًا بحسب الرجل، هو رفض تزويجهم أو الزواج منهم، فإن كان الزواج منهم يغتفر أحياناً لكن تزويجهم يعد جريمة لا يمكن مسامحة من يفعلها.

وحسب الناشط بهكلي، فإنه “لا تتساوى دماء المهشمين وأعراضهم مع بقية دماء وأعراض الطبقات الأعلى، فلا يمكن أن يُقتل قاتل المهمش، أو يُعاقب منتهك أعراضهم، بحجة أنهم أقل منزلة وأحقر من مساواتهم ببقية أفراد المجتمع”.

يؤكد أن المهمشين لم يتمتعوا بكثير من الحقوق الملموسة، لكن كان على القبيلة التي هم في ظلها حمايتهم، لأن التعدي عليهم يعتبر كأنه تعدي على ممتلكات خاصة، وليس احترامًا لآدميتهم، مقابل أن يحافظوا على تلك المكانة الدونية التي تفرض عليهم، وأن لا يحاولوا التعالي أو التمرد على تلك القوانين المفروضة عليهم، وإلا سيواجهون عقوبات شديدة الردع تجعل من يحاول التمرد يضرب لذلك ألف حساب.

أسوأ الفئات

قديمًا كان وضع السود في اليمن (المهمشين) على هامش الحياة الاجتماعية، وليس لهم مشاركة فعلية في الحياة العامة إلا تلك التي تخص الخدمة والمهن الدونية التي لا يجدون غيرها، فهم من هذه الناحية ومع عددهم الكبير إلا أنهم قوى مهدرة، وطاقات غير مستفاد منها، وعقول محتقرة لا يسمح لهم أن يكون لهم دورًا ذا أهمية في الحياة العامة، كما يقول الرجل.

أما حديثًا لا يختلف كثيرًا عما كانوا عليه من قبل إلا بتغيير بسيط، هو بحكم أنهم مواطنون، فكان لا يُنظر لهم في الحياة العامة إلا أنهم أصوات في الانتخابات، يستفيد المتسلطون من كونهم يمنيين لهم أصوات كالبقية، فلا يعرفونهم إلا تلك الأوقات ثم يعودون لحياتهم التي هي العزلة التامة أو فيما يخص مهنهم التي يخدمون بها المجتمع، ومنذ أن تكونت الدولة الحديثة وتكريسًا لمبدأ الدونية لم يجدوا لهم مكانة في الوظائف العامة إلا في العمل في البلدية وتنظيف الشوارع، مع تفصيل قوانين تعسفية لهم بمفردهم لا تخضع لقوانين الوظيفة العامة، بحسب بهكلي.

ومع كل ما يحدث في اليمن، يُعتبر المهمشون أسوأ الفئات الاجتماعية تأثرًا بالأوضاع الحالية التي تمر بها البلد، إذ يعيشون فقرًا مدقعًا، وحالة اقتصادية مزرية، فالحرب زادتهم عناء ومشقة، وحرمتهم رواتبهم الضئيلة، التي كانوا يتقاضونها جراء عملهم في تنظيف الشوارع، وتعد مصدر دخلهم الوحيد، فاتجهوا إلى مخيمات اللجوء (هم من أكثر الفئات الاجتماعية القاطنة في المخيمات الخاصة بمتضرري الحرب)، فضلًا عن زيادة غير مسبوقة لظاهرة التسول التي يمارسونها اضطرارًا بسبب وضعهم الاقتصادي المتدني.

لم يسلم السود المهمشون من القنص والقصف المباشر، فقد نزحت عشرات الأسر إثر قذائف ورصاص استهدفت عددًا من مساكنهم، مما أدى لموت وإصابة العشرات منهم، خصوصًا أن البيوت التي يسكنها هؤلاء لا تقوى على أبسط الكوارث الطبيعية من الأمطار والسيول، ناهيك أن جماعة الحوثي استهدفت أبناء هذه الفئة بالتجنيد.

يوضح الناشط محمود رزق الله بهكلي، أن جماعة الحوثي استغلت المهمشين من خلال الزج بهم في أتون الحرب وجبهات القتال، نتيجة سهولة استقطابهم وشحنهم بأفكار متطرفة، مستفيدين من شراستهم في القتال، وقدراتهم الجسدية الهائلة، لذا راح ضحية الحرب الحوثية مئات المجندين من السود، كما لم يسلم الأطفال من التجنيد، فقد ثبت تجنيد الجماعة الطائفية للعديد من الأطفال السود في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حد تعبيره.

طبقية داخلية

ولأن الطبقة التي تدعي انتسابها لـ “آل البيت”، حكمت اليمن لفترة طويلة، وتحكّمت بالشأن السياسي والتسلط العلمي والفكري، ومن أجل أن يبقوا في صدارة الطبقات فرضوا واقع الطبقية التي تجعلهم يعتلون القائمة بسهولة، ووضعوا قوانين اجتماعية صارمة للتزاوج بين الطبقات، وبناء على وضع السود في ذيل القائمة كان من لزام ذلك أن يمنعوا الزواج بالفئات والطبقات الأعلى.

الناشط بهكلي، يؤكد أن النظرة المجتمعية الدونية للسود ما زالت حتى اليوم، رغم عدم وجود مبرر عقلي ولا شرعي لمنع زواج المهمشين من الفئات الأخرى؛ ويفسر هذا الوضع أن الأمر ساد، مع تدني وضع السود العلمي والفكري وعدم امتلاكهم مقومات الحياة، الأمر الذي جعل الكثير يتذرعون بهذا السبب لتحميلهم مسؤولية عدم تقبل المجتمع.

وتمتد هذه الطبقية إلى وسط السود المهمشين، حتى وإن كانت ليست بنفس التصور، الذي يسير عليه الحال في طبقات المجتمع اليمني.. يشير بهكلي، إلى أن ذلك ينطبق تمامًا على الوضع الحاصل في الكثير من مناطق تهامة كونها تحتضن عددًا كبيرًا منهم.

ويقول الرجل: “هناك طبقة “العبيد”، وهم الذين كانوا عبيدًا مملوكين ثم أعتقوا، وهؤلاء أعلى طبقات السود، ولهم مميزات عند الأسر التي كانت تملكهم وبقية أفراد المجتمع من الطبقات العليا.. بعدها “السود العاديون” وهم في الأصل أحرار لم يتملكهم أحد، وكانوا يمتهنون في السابق مهن الزراعة عن ملاك الأراضي مقابل النسبة (الأجر)، وهؤلاء يرون أنفسهم أحسن وأعلى السود. والفضل الذي يرونه لأنفسهم أنهم بيئات اجتماعية منظمة، ولا تنتشر فيهم السلبيات الأخلاقية ويأنفون منها، ويهتمون بالنظافة بحسب المتاح لهم، وفيهم ترابط اجتماعي وأسري قوي، ولا يسمحون لنسائهم بالتسول.

ويبين أن الفئة الأخيرة، التي يراها من سبقهم أقل منهم، هم فئة من السود لا تتورع عن أي شيء، ولا يهتمون بالنظافة البتة، حد وصف الناشط بهكلي ونساؤهم يتسولن مجبرات من أوليائهم من الذكور، ولدى هذه الفئة كثير من السلبيات الاجتماعية المنتشرة، يطلق عليهم البعض (الطعانى) أو (اللحوج).

بدون هوية

يعود سبب عدم امتلاك غالبية أبناء الفئة السمراء للوثائق الثبوتية، بحسب بهكلي، أن المهمشين كانوا فيما مضى لا يمتلكون هويات، أو من أكثر الفئات التي لا تمتلك البطاقات الشخصية أو جوازات السفر، بسبب انعدام مشاركتهم في الحياة العامة، ويرون أنهم لا يحتاجون لها، ويتساهلون في ذلك.

لكن في الفترات الأخيرة انتشرت ظاهرة اهتمامهم بإخراج الوثائق، خصوصًا أن الكثير من نواحي الحياة تضطرهم لذلك؛ سيما أن المنظمات الأممية والإغاثية تمتنع عن صرف أي مساعدات للأسر دون إبراز هويات شخصية، ومعالجة القصور في ذلك يقع على عاتق الدولة إن اهتمت بهؤلاء فمن السهل تدارك هذه الأمر، كما فعلت بداية قيام الجمهورية (ستينيات القرن الماضي) من توثيق للأحوال الشخصية وإن كان بتقدير بعض المعلومات التي يصعب الوصول لها بدقة مثل تواريخ الميلاد.

في اليمن، لا تكاد تمر معاملات رسمية كعقود النكاح إلا بعد أن يقطع الزوجان وثائق ثبوتية، ويصعب توثيقها دون ذلك، ففي السنوات الأخيرة، زاد وعي المهمشين السود بضرورة الحصول على بطاقات شخصية، الأمر الذي دفع بعض أبناء هذه الفئة لتوثيق زواجهم بعد حصولهم على الهويات الشخصية، بحسب تأكيدات محاميين في محافظة تعز وبعض الأمناء الشرعيين.

وفيما يخص مسألة زواج المهمشين من خلال اتفاقات شفوية دون عقود رسمية، يرى الناشط محمود رزق الله بهكلي، أنه: “لا يمكن الحكم العام على مجتمعات المهشمين، لكن كل المجتمعات التي أعرفها تكون عقودهم رسمية ووفق القنوات الحكومية.. قد تجد من يتساهل في ذلك، لكن ليس ساريًا ليكون قاعدة عامة.. في المسائل التي تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والتوثيقات المهمة هم مضطرون لسلوك الطرق القانونية.. وكثير من الأشياء التي تنتشر أخبارها عن مجتمعات المهمشين هي إشاعات وأوهام وتضخيم نتيجة لابتعاد الناس عن الاختلاط بهم والتعايش معهم عن قرب”.

*هذا التقرير الفائز بالمركز الثالث مكرر بجائزة مسابقة “الوعل اليمني” لأفضل (مقال صحفي) للعام 2026م “بصورة استثنائية” لثرائه بالمعلومات حول أحد الموضوعات اليمنية الاجتماعية الشائكة، وبجهد بحثي جيد.