منذ بداية الحرب في اليمن، لم تكن معركة مليشيات الحوثي مقتصرة على الجبهات العسكرية فقط، بل امتدت إلى مساحة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة الرواية والسيطرة على تفسير الأحداث أمام المجتمع.
وفي قلب هذه المعركة برز خطاب “الحصار” باعتباره أحد أكثر العناوين حضوراً في خطاب مليشيات الحوثي، حيث تحول على مدى السنوات الماضية إلى سردية ثابتة تُستخدم لتفسير مختلف الأزمات التي يعيشها المواطنون في مناطق سيطرتها.
وعبر وسائلها الإعلامية وشبكة المشرفين الثقافيين التابعين لها ونشاط ذبابها الإلكتروني، عملت المليشيات على ترسيخ هذه الرواية المظللة باعتبارها سبباً رئيسياً لما يواجهه المواطن من أزمات اقتصادية ومعيشية، من انقطاع المرتبات إلى تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار وغياب السيولة، في وقت يرى النشطاء أن هذا الخطاب أمعنت الجماعة في تكريسه كوسيلة للتهرب من المسؤوليات المرتبطة بإدارة المؤسسات والموارد في مناطق سيطرتها.
ومع مرور السنوات، لم يعد مصطلح “الحصار” مجرد توصيف سياسي تستخدمه المليشيات في خطابها الإعلامي، بل أصبح جزءاً من خطاب تعبوي واسع يحضر بقوة كلما ارتفعت أصوات الناس، ويستخدم في مواجهة أي مطالب شعبية تتعلق بالحقوق والخدمات وإنتقاد تردي الأوضاع المعيشية، في حين تقابل المليشيات هذه المطالبات الشعبية بباعتبار أصحابها منافقين ومرجفين وعملاء للعدوان.
ويرى مواطنون تحدثوا لمنصة “الوعل” أن هذا الخطاب أصبح حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية وأينما توجهوا يجدونه تجاههم، خصوصاً عندما تتصاعد المطالبات بالمرتبات أو الخدمات الأساسية.
وقال صالح سعيد وهو معلم يسكن في صنعاء لـ”الوعل”، إن المواطنين ظلوا يسمعون لسنوات أن سبب معاناتهم يعود إلى الحصار والعدوان وتحميل الشرعية المسؤلية، مضيفاً: “كلما طالبنا بالمرتبات أو تحدثنا عن وضع المدارس والخدمات، يكون الرد بأننا مرجفين وإن البلاد في حالة حصار، لكن عندما انظر لمشرفيهم ستجدهم بافضل الفلل وسيارات فارهة، وكل هذا من رواتبنا”.
ويضيف سعيد أن حالة الاستياء عند الشعب قد اتسعت مع استمرار خلق الصراعات التي يختلقها الحوثي، مؤكدا إن المواطن اليوم لم يعد يبحث عن الشعارات والخطب الرنانة وإنما يبحث عن حلول تنعكس على حياته اليومية فيما المليشيات تمضي في حرب وصرف شعارات دون نهاية.
وخلال السنوات الماضية، اعتبر النشطاء والسياسين إن مليشيات الحوثي تستخدمون خطاب الحصار لتبرير إجراءاتها الاقتصادية والمالية في إختلاس الأموال والتهرب من مسؤولياتها، واعتبرت أن هذا الخطاب ساهم في خلق بيئة يتم فيها إسكات الأصوات المنتقدة أو المطالبة بالحقوق تحت مبررات سياسية وأمنية.
في المقابل، تؤكد مليشيات الحوثي باستمرار أن الحصار والعدوان على تعبيرها هي السبب الرئيسي وراء تدهور الوضع الإنساني والاقتصادي، وترى أن الحديث عن مسؤوليتها الداخلية يتجاهل ترفاً وهي غير معنيه به طالما وهي تواجه العالم على حد تعبير الكثير من قادة المليشيات.
لكن خلال الفترة الأخيرة، بدأت الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها بتكثيف خطاب مضاد يستند إلى بيانات وأرقام دولية، بهدف تفنيد الرواية الحوثية المتعلقة بإغلاق الموانئ ومنع دخول السلع الأساسية.
بالأرقام.. لا حصار
في هذا السياق، قدم نائب وزير النقل اليمني ناصر أحمد شريف بيانات قال إنها تستند إلى سجلات آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM)، مؤكداً أن هذه البيانات تظهر استمرار حركة الملاحة التجارية عبر الموانئ اليمنية خلال سنوات الحرب.
وأوضح شريف أن الفترة الممتدة من مايو 2016 وحتى مايو 2026 شهدت استمرار دخول السفن التجارية بعد خضوعها للإجراءات الأممية المعتمدة، مشيراً إلى أن الآلية تعاملت مع آلاف طلبات التصاريح ونفذت عمليات تفتيش متعددة للسفن القادمة إلى اليمن.
وبحسب الأرقام التي أعلنها نائب وزير النقل، فقد استقبلت آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش أكثر من ثلاثة آلاف طلب تصريح، ونفذت أكثر من ألفي عملية تفتيش، فيما تمكنت آلاف السفن من تفريغ حمولاتها ومغادرة الموانئ اليمنية بعد استكمال الإجراءات المطلوبة.
وأشار شريف إلى أن حجم الواردات التي دخلت عبر هذه الإجراءات شمل عشرات الملايين من الأطنان من المواد الغذائية والوقود والبضائع التجارية، موضحاً أن إجمالي ما دخل عبر الآلية الأممية تجاوز 72 مليون طن من مختلف السلع والمواد الأساسية خلال السنوات الماضية.
ويرى المسؤول اليمني أن هذه الأرقام تؤكد أن الموانئ اليمنية، وفي مقدمتها ميناء الحديدة، لم تكن مغلقة أمام حركة الاستيراد، وأن القضية الأساسية تكمن في كيفية إدارة الموارد والإيرادات الناتجة عن هذه المنافذ.
وقال إن استمرار تدفق السلع يطرح تساؤلات حول مصير الإيرادات التي يتم تحصيلها من الموانئ والرسوم المختلفة، ومدى انعكاسها على تحسين الخدمات وصرف مرتبات الموظفين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تؤكد فيه الحكومة اليمنية أن المشكلة الاقتصادية تحت سيطرة الحوثي لا ترتبط بحجم الواردات، وإنما بطريقة مليشيات الحوثي في إدارة الموارد المالية والمؤسسات الاقتصادية في مناطق سيطرتها التي توظفها في خدمة مشروعها.
ردع تضليل المليشيات
ولم يقتصر الرد على التصريحات الحكومية، إذ دخل التحالف الداعم للحكومة اليمنية على خط المواجهة الإعلامية بشأن ملف الحصار والموانئ.
وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي إن الادعاءات المتعلقة بإغلاق الموانئ والمطارات اليمنية تأتي ضمن ما وصفه بالمغالطات، مشيراً إلى استمرار حركة السفن التجارية إلى الموانئ اليمنية.
وأوضح المالكي أن أكثر من 300 سفينة تجارية دخلت خلال النصف الأول من عام 2026 إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، محملة بمواد غذائية وبضائع ووقود ومواد بناء.
كما اتهم الحوثيين بالتسبب في توقف حركة الطيران عبر مطار صنعاء الدولي، بينما تتمسك مليشيات الحوثي بروايتها التي تعتبر أن القيود المفروضة على المطار والموانئ على التهريب الإيراني، تمثل جزءاً من الحصار المفروض على اليمن.
ومع استمرار الحوثيين عن رمي المسؤولية على غيرهم بإكذوبة الحصار، يبقى المواطن في المناطق التي تحت سيطرتها هو الطرف الذي يتحمل نتائج هذا التعنت والتظليل السامج الذي تنتهجة مليشيات الحوثي، حيث تستمر معاناته من ارتفاع الأسعار وغياب الخدمات وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، فيما يمضي الحوثي بشعارات غير أبه بمعاناة الشعب.
ونتيجة لطول الحرب التي ارهقت الشعب يقول مواطنون تحدثوا لمنصة “الوعل” إن السنوات الطويلة من الحرب الحوثية جعلتهم لايعيرون اي اهتمام بالسجالات السياسية التي يبديها الحوثي بخطاباته عن الحصار والعدوان واصبح همهم الأول هو أن يحصلون على حقوقهم التي نهبها.
وعي يتجاوز الخديعة
يرى مراقبون أن ملف “الحصار” تحول من قضية اقتصادية وإنسانية إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع السياسي والإعلامي في اليمن، حيث تستخدمه مليشيات الحوثي لتقديم روايتها الخاصة حول أسباب الأزمة وتحميل الطرف الآخر مسؤوليتها.
فيما الحكومة اليمنية تحمل الحوثيين باستخدام هذا الخطاب للتغطية على طريقة إدارتهم للموارد والإيرادات والتهرب من المسؤوليات المترتبة عليهم.
وفي خضم هذا الجدل، يبقى ملف الإيرادات واحداً من أكثر الملفات التي يستغلها الحوثي، إذ يمعن في نهب الأموال الناتجة عن الموانئ والجمارك والضرائب، فيما يمضي دائما في تحميل مسؤولية تردي الاوضاع تحت سيطرته على الحكومة الشرعية.
غير إن المواطنون تحت سيطرة الحوثي يدركون حجم الموارد التي ينهبها ولم يعودوا يستسلمون لإكذوبة الحصار، فيما الحوثي يرى قلق كبير أزاء هذا الوضع ساعياً للتصعيد متهرباً عن مسؤولياته.



