تقارير

احتفالات “الغدير” الحوثية تثير موجة انتقادات واسعة وسط تساؤلات حول كلفة الفعاليات وأبعادها الطائفية

تقرير /احمد صالح
خاص

أثارت الاحتفالات الواسعة التي نظمتها مليشيات الحوثي بمناسبة ما يسمى بـ”يوم الغدير” في المحافظات الخاضعة لسيطرتها موجة واسعة من الجدل والانتقادات، وسط تساؤلات شعبية بشأن حجم الإنفاق المصاحب للفعاليات في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية التي يعانيها ملايين اليمنيين.

وشهدت العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات، مساء الأربعاء، إطلاقاً كثيفاً للألعاب النارية وإقامة فعاليات احتفالية في المؤسسات الحكومية والمعسكرات والمقرات التابعة للمليشيات، بالتزامن مع حملات تعبئة إعلامية وخطابية واسعة رافقت المناسبة التي تعدها المليشيات إحدى أبرز محطاتها العقائدية السنوية.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عشرات المقاطع المصورة التي أظهرت انتشار الاحتفالات في المدن ومناطق التماس والجبهات، في مشاهد أثارت ردود فعل متباينة بين مؤيدي المليشيات ومنتقديها، الذين اعتبروا أن تلك الفعاليات تعكس أولويات لا تنسجم مع حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون.

وقال مصدر فضل عدم الكشف عن هويته لـ”الوعل” يعمل في مصلحة الضرائب الخاضعة لسيطرة الحوثيين إن الاستعدادات للمناسبة تبدأ قبل أسابيع من موعدها، وتترافق مع تحركات لجمع التمويلات وحشد الدعم من المؤسسات والجهات الخاضعة لسلطات المليشيات.

وأضاف المصدر أن العديد من الجهات الحكومية والتجارية تُدفع للمشاركة في تمويل الأنشطة المرتبطة بالمناسبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مشيراً إلى أن “الغدير” أصبح خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر المناسبات التي تحظى باهتمام واسع من قبل المليشيات على المستويات المالية والإعلامية والتنظيمية.

انتقادات للبعد الطائفي

وتزامناً مع الاحتفالات، تصاعدت الانتقادات الموجهة لمليشيات الحوثي بشأن ما يصفه معارضوها بمحاولة تكريس مفاهيم طائفية وسلالية داخل المجتمع اليمني من خلال المناسبات المرتبطة بفكرة “الولاية”.

وفي هذا السياق، علق المتحدث باسم جبهة الضالع فؤاد جباري على مشاهد الاحتفالات في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين بمحافظة الضالع، قائلاً إن المليشيات أقامت فعاليات مرتبطة بالمناسبة في مناطق ذات غالبية سنية شافعية، معتبراً أن ذلك يعكس حجم التحولات الفكرية والعقائدية التي سعت وتسعى المليشيات إلى ترسيخها خلال سنوات الحرب.

وأشار جباري إلى أن مظاهر الاحتفال بالمناسبة جاءت على حساب المظاهر الشعبية المرتبطة بعيد الأضحى المبارك، معتبراً أن ما يحدث يمثل محاولة لإعادة تشكيل الوعي الديني والاجتماعي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

كما أعاد ناشطون تداول مواقف دينية سابقة لعدد من علماء اليمن بشأن “عيد الغدير”، من بينها فتوى مفتي الجمهورية السابق العلامة محمد بن إسماعيل العمراني، الذي اعتبر المناسبة بدعة لا أصل لها في كتب أهل السنة، وأن ظهورها جاء بعد القرون الأولى للإسلام.

سخرية واسعة على مواقع التواصل

ولم تقتصر ردود الفعل على الانتقادات السياسية والدينية، بل تحولت الاحتفالات إلى مادة للسخرية بين الناشطين الذين تداولوا مقاطع للألعاب النارية التي غطت سماء صنعاء وعدد من المدن.

وعلق الناشط فهد بن جعموم على أحد المقاطع المصورة من العاصمة صنعاء قائلاً: “وهذا في صنعاء.. هل معهم مهرجان تراثي أم ماذا؟”، في إشارة ساخرة إلى حجم الاحتفالات التي شهدتها المدينة.

كما أثار الممثل اليمني حسين القوسي تفاعلاً واسعاً بعد نشره تعليقاً ساخراً حول كثافة الألعاب النارية، متسائلاً عن أسباب “كل هذه القوارح”، قبل أن يورد عدة تفسيرات تهكمية لاقت انتشاراً واسعاً بين المتابعين.

وامتلأت منصات التواصل بمئات التعليقات التي قارنت بين الأموال التي تنفق على الاحتفالات وبين الأوضاع المعيشية الصعبة، متسائلة عن أسباب استمرار الجبايات وتدهور الخدمات الأساسية في الوقت الذي تُسخر فيه إمكانات كبيرة لإحياء مناسبات عقائدية.

جدل حول مفهوم “الولاية”

وفي خضم النقاش الدائر، نشر عدد من الكتّاب والناشطين مقالات ومنشورات انتقدت فكرة “الولاية” التي تستند إليها المناسبة، معتبرين أن المليشيات تستخدمها لتبرير احتكار السلطة وإضفاء طابع ديني على مشروعها السياسي.

وكتب الشاعر والأديب اليمني محمد القعود متسائلاً عن أسباب فشل مشاريع الحكم القائمة على فكرة الولاية عبر التاريخ في بناء دول مستقرة وقوية، معتبراً أن الإشكالية تكمن في الفكر القائم على التمييز واحتكار السلطة والدين داخل إطار سلالي ضيق.

كما تداول ناشطون مقالاً بعنوان “عنصرية بطلاء إلهي”، انتقد توظيف المليشيات لمناسبة الغدير في تعزيز مفاهيم الاصطفاء السلالي وربط الشرعية السياسية بالنسب، معتبراً أن اليمنيين يواجهون أزمات اقتصادية وإنسانية خانقة تجعل من هذه الاحتفالات حدثاً منفصلاً عن أولويات المجتمع واحتياجاته الفعلية.

ويرى مراقبون أن الجدل المتجدد حول “يوم الغدير” يعكس اتساع الهوة بين الخطاب العقائدي الذي تروج له مليشيات الحوثي وبين المطالب المعيشية للمواطنين، الذين يواجهون أزمات متراكمة في الرواتب والخدمات وفرص العمل.

وبينما تواصل المليشيات تقديم المناسبة باعتبارها محطة دينية وعقائدية مهمة، يراها كثير من اليمنيين مناسبة سياسية ذات أبعاد طائفية تُستخدم لتعزيز النفوذ الفكري للجماعة وترسيخ مشروعها الأيديولوجي، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بالتركيز على معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.