سجلت القارة الأوروبية فاجعة إنسانية وبيئية غير مسبوقة إثر موجة الحر القاسية التي اجتاحت أجزاء واسعة من غرب ووسط القارة، مسببة ما يزيد عن 10,650 حالة وفاة إضافية (أكثر من 10 آلاف حالة وفاة) خلال أسبوع واحد فقط تزامن مع ذروة الموجة الحارة.
وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن شبكة رصد الوفيات الأوروبية (EuroMOMO)، بدعم من منظمة الصحة العالمية والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها، أن الغالبية العظمى من الضحايا—بنسبة تجاوزت 90%—هم من كبار السن الذين تفوق أعمارهم 65 عاماً، حيث تسببت درجات الحرارة القياسية في مضاعفة الأزمات الصحية المزمنة مثل أمراض القلب، والأوعية الدموية، والجهاز التنفسي، فضلاً عن الإصابة بضربات الشمس القاتلة.
وفي بريطانيا، كشفت دراسة علمية مشتركة أجراها مكتب الأرصاد الجوية البريطاني بالتعاون مع الكلية الإمبراطورية في لندن ومدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، أن موجتي الحر المبكرتين اللتين ضربتا إنجلترا وويلز في شهري مايو ويونيو قد أسفرتا عن وفاة نحو 2,700 شخص بشكل مبكر.
وأكد الباحثون أن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية قد ساهم في رفع درجات الحرارة القصوى بمقدار 3 إلى 4 درجات مئوية كاملة، وكان مسؤولاً بشكل مباشر عن نحو 42% من إجمالي هذه الوفيات في المملكة المتحدة، حيث حطمت البلاد أرقاماً قياسية تاريخية بعد أن بلغت الحرارة 35.1 درجة مئوية في غرب لندن خلال مايو، وتجاوزت 37 درجة مئوية في شرق إنجلترا خلال يونيو.
ولم تقتصر الكارثة على بريطانيا؛ إذ واجهت عدة دول أوروبية صيفاً هو الأكثر فتكاً منذ عقود؛ حيث سجلت ألمانيا ما يقرب من 5,120 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، وارتفعت مستويات الوفيات الإضافية في فرنسا لتبلغ نحو 2,025 حالة وفاة وسط زيادة مقلقة في الوفيات المنزلية نتيجة لضعف العزل الحراري في المباني السكنية.
كما أعلنت بلجيكا عن تسجيل أسوأ معدل وفيات مرتبط بالمناخ منذ بدء نظام التسجيل عام 2000 بواقع 1,700 حالة وفاة، في حين أدى الارتفاع الحاد في درجات الحرارة التي لامست حاجز 41.7 درجة مئوية في بعض المناطق إلى لجوء المواطنين للسباحة العشوائية في البحار والأنهار، مما أفرز حصيلة غرق قياسية في ألمانيا بلغت 99 حالة وفاة خلال شهر واحد فقط.
وبالتوازي مع هذه الأزمة الصحية، تسببت الأجواء الجافة والرياح الساخنة في وضع الغابات الأوروبية تحت تهديد مستمر؛ مما دفع دولاً مثل البرتغال إلى طلب دعم عاجل من جاراتها والاتحاد الأوروبي لمكافحة وإخماد حرائق الغابات المستعرة.
وشدد العلماء وخبراء المناخ على أن هذه الموجات الاستثنائية التي تضرب البنية التحتية، والنقل، والقطاع الصحي تعد جرس إنذار حقيقي يستوجب تسريع خطط التكيف مع المناخ ووقف انبعاثات الغازات الدفيئة لتجنب صيف أكثر قسوة ودموية في السنوات المقبلة.



