فلسطين_ الوعل اليمني
تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي السبت، عدوانها العسكري على مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، لليوم الثاني على التوالي، وسط حصار مشدد وإغلاق للمداخل والطرق الرئيسية، وإجبار مئات العائلات الفلسطينية على إخلاء منازلها، بالتزامن مع عمليات هدم ومداهمة واعتقال، في إجراءات طالت حياة السكان وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
وأفادت تقديرات محلية بأن نحو 250 عائلة أُجبرت على مغادرة منازلها في مناطق متفرقة من الخليل، فيما حذرت جهات محلية من مخططات لإخلاء مزيد من العائلات، ولا سيما في منطقتي دير بحة والجلدة، حيث تتواصل الاقتحامات والقيود العسكرية وسط مخاوف من اتساع رقعة النزوح القسري.
وجاءت هذه الإجراءات عقب عملية إطلاق نار استهدفت موقعًا عسكريًا إسرائيليًا قرب الخليل، الجمعة، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، فيما استشهد منفذا العملية برصاص قوات الاحتلال.
وفجر السبت، اقتحمت قوات الاحتلال، مدعومة بآليات عسكرية وجرافات، أحياء سكنية في منطقتي الجلدة ودير بحة، وأجبرت عائلات على مغادرة منازلها تحت تهديد السلاح، في وقت منحت فيه السكان مهلة محدودة لجمع احتياجاتهم الشخصية.
وبحسب إفادات محلية، فرضت قوات الاحتلال قيودًا على ما يمكن للعائلات إخراجه من منازلها، ومنعت بعض السكان من اصطحاب مركباتهم وممتلكاتهم، ما اضطرهم إلى المغادرة على عجل، فيما قضت عائلات ساعات في العراء بعد إخلائها من مساكنها.
وقال محافظ الخليل خالد دودين إن العدوان أدى إلى نزوح أكثر من 200 عائلة، مؤكدًا أن المحافظة ومؤسساتها تعمل على تشكيل لجنة لإدارة الأزمة ومساعدة المتضررين، بعد إعلان حالة الطوارئ.
من جهته، قال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن قوات الاحتلال تسعى إلى إخلاء مناطق سكنية تضم نحو 2500 مواطن، مشيرًا إلى وضع علامات على منازل أُخليت وتوزيع منشورات تطالب عائلات أخرى بالمغادرة دون اصطحاب مركباتها.
وفي السياق، احتجزت قوات الاحتلال عشرات المواطنين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية خلال اقتحام الأحياء المستهدفة، قبل الإفراج عن عدد منهم، فيما طالت الاعتقالات ما لا يقل عن 13 فلسطينيًا في المحافظة، وفق مصادر محلية.

هدم واستيلاء على المنازل
وبالتوازي مع عمليات الإخلاء، وسعت قوات الاحتلال هدمها للمباني والمنشآت الفلسطينية، إذ هدمت، الجمعة، عمارة سكنية مكونة من ثلاث شقق في منطقة فرش الهوى غربي الخليل، تعود ملكيتها لعائلة أمريش، وأغلقت المنطقة ومدخلها الرئيسي.
كما طالت عمليات الهدم منشآت ومحال تجارية، فيما أفادت مصادر محلية بأعمال تجريف طالت أراضي في المنطقة، وسط مخاوف أصحاب الممتلكات من خسائر إضافية مع استمرار الحملة العسكرية.
ولم تقتصر الإجراءات على الهدم، إذ استولت قوات الاحتلال على منازل في أحياء من المدينة وحولتها إلى مواقع وثكنات عسكرية، ورفعت الأعلام الإسرائيلية فوق بعضها، في خطوة زادت مخاوف السكان من تعذر العودة إلى مساكنهم بعد انتهاء العملية.
وأفادت تقارير محلية بأن أصحاب محال ومنشآت تجارية وصناعية سارعوا إلى نقل ما أمكن من بضائعهم وممتلكاتهم، خشية تعرضها للهدم أو المصادرة، فيما أُبلغ السكان بوجود مخططات لتنفيذ عمليات هدم إضافية خلال الساعات المقبلة.
كما باشرت قوات الاحتلال إجراءات هندسية تتعلق بمنازل منفذي عملية إطلاق النار، تمهيدًا لهدمها، بالتزامن مع تهديدات بتوسيع الإجراءات العسكرية في المنطقة.
شلل الحياة اليومية
ومنذ عصر الجمعة، أغلقت قوات الاحتلال مداخل مدينة الخليل وطرقًا رئيسية تربطها بالبلدات والقرى والمخيمات المجاورة، وفرضت قيودًا مشددة على حركة المواطنين والمركبات، ما أدى إلى عزل مناطق وتعطيل التنقل بين أجزاء المحافظة.
وامتدت الإغلاقات إلى مناطق محيطة، بينها حلحول، فيما أغلقت قوات الاحتلال طرقًا ومداخل باستخدام البوابات الحديدية والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية، الأمر الذي زاد صعوبة وصول السكان إلى وجهاتهم وأعمالهم والخدمات الأساسية.
وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن المدينة تواجه حصارًا مشددًا مع انتشار عشرات الآليات والمدرعات العسكرية، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال تواصل إغلاق الطرق وتنفيذ عمليات الهدم في المنازل والمتاجر.
وأمام المخاطر المحيطة بالحواجز وصعوبة التنقل، أعلنت مدارس وجامعات في المحافظة تعليق الدوام، فيما أعلنت نقابة النقل والمواصلات وقف حركة المركبات حفاظًا على سلامة المواطنين.
وطالت تداعيات الإغلاق المرضى أيضًا؛ إذ اضطرت طفلة تبلغ 11 عامًا، مصابة بالسرطان، إلى متابعة طريقها سيرًا على الأقدام عبر بوابة مغلقة للوصول إلى موعدها الطبي في مستشفى دورا، بعدما تعذر عليها الوصول بالسيارة.
وتعكس هذه القيود حجم الأعباء التي يتحملها المدنيون جراء الحصار، في ظل تعطل الحركة التجارية وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية والخدمات، فضلًا عن الخسائر التي تلحق بأصحاب المحال والمنشآت.
خطة طوارئ للنازحين
وفي مواجهة موجة النزوح، أعلنت بلدية الخليل تفعيل خطة الطوارئ الشاملة، وفتح مراكز إيواء لاستقبال العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، إلى جانب تشغيل غرفة عمليات لمتابعة احتياجات السكان المتضررين.
وتشمل الجهود تجهيز مراكز للاستقبال، من بينها المركز الكوري الفلسطيني ومجمع إسعاد الطفولة، وتنسيق العمل مع المؤسسات الصحية والإنسانية لتوفير الاحتياجات الأساسية وتسهيل وصول خدمات الطوارئ إلى المناطق المغلقة.
كما تعمل المحافظة ومؤسساتها على مساعدة العائلات النازحة والسكان العالقين، فيما بادرت عائلات فلسطينية إلى استقبال أقاربها وغيرهم ممن فقدوا القدرة على البقاء في منازلهم.
غير أن استمرار الإغلاق والهدم والاستيلاء على المساكن يبقي مصير العائلات النازحة غير واضح، وسط مخاوف من أن تتحول مغادرة المنازل المؤقتة إلى تهجير طويل الأمد، خصوصًا مع ورود تقارير عن تهديد عائلات أخرى بالإخلاء.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد الإجراءات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، حيث تترافق الاقتحامات والاعتقالات مع إغلاق المدن وهدم المنازل وتقييد حركة الفلسطينيين.
وحذر مسؤولون فلسطينيون من تداعيات ما يجري في الخليل، معتبرين أن إخلاء الأحياء السكنية وهدم المنشآت وفرض الحصار على السكان يتجاوز ملاحقة منفذي عملية إطلاق النار، ويحمّل المدنيين تبعات جماعية لا صلة لهم بها.
ودعا نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إلى تحرك دولي فوري وإدانة سياسة العقاب الجماعي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما حذرت الحكومة الفلسطينية من تصاعد عمليات التهجير وهدم المنازل وإغلاق المدن والبلدات.
وفي السياق ذاته، حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة من أن الإغلاق الشامل والقيود المفروضة على حركة السكان يندرجان ضمن نمط من العقاب الجماعي، ويؤثران في حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم.
وامتدت المداهمات، بالتزامن مع العملية العسكرية في الخليل، إلى بلدات ومخيمات أخرى في الضفة الغربية، وسط حملات تفتيش واعتقال وإجراءات مشددة على حركة المواطنين.
ومع إعلان الاحتلال أن عمليته العسكرية ستستمر عدة أيام، تبقى مئات العائلات أمام مصير مجهول، بين فقدان المأوى وتعطل مصادر الرزق والخشية من هدم منازلها أو الاستيلاء عليها، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى تدخل دولي لوقف إجراءات الإخلاء والحصار وضمان عودة السكان إلى منازلهم.



