محمود محيي الدين
اليمن أرض الحكمة والمدد، عروس الجزيرة التي تحولت جراحاتها إلى نزيفٍ لا يهدأ، وصراعاتها إلى رحىً تدور لتطحن أعمار الأبرياء وأحلام الأطفال. أليس أوجع من وطنٍ تتناهبه الأهواء وتتقاسم أرضه الأجندات، حيث بات الخبز كنزاً، والدواء أمنية، والعيش الكريم مغامرة في مهب الريح؟
إن ما يحدث في اليمن ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو اختبارٌ صارخ لضمير الإنسانية؛ أطفالٌ بلا طفولة، وشبابٌ تُغتال طموحاتهم في ميادين العبث، وعائلاتٌ مزقتها جغرافيا الموت والنزوح. ولكن وسط هذا الركام، يبقى إباء اليمنيين وصمودهم الأسطوري شاهداً على أن شمس الحياة لابد أن تشرق بعد ليل الاستبداد الطويل.
أيها السائرون في دروب الباطل، يا من اتخذتم من آلام الشعوب سلّماً لمصالحكم، ومن دماء الأبرياء أرصدةً في بنوك الغدر والخيانة؛ اتقوا دعوة المظلوم فإن ليس بينها وبين الله حجاب. وتذكروا أن كل صرخة طفل جائع، وكل دمعة أم ثكل، وكل بيتٍ هُدم فوق رءوس ساكنيه، هي سطور تُكتب بها نهايتكم المحتومة في كتاب التاريخ والعدالة الإلهية.
الملك لا يدوم للظالم؛ فاعلموا أن كراسي السلطة ووهم القوة التي تستندون إليها اليوم ليست سوى أوهامٍ زائلة. إن العروش التي تُبنى على جماجم الأبرياء تتهاوى بأدنى ريح، ولن تُخلدكم أموال الحروب التي اكتنزتموها على حساب وجع هذا الشعب العظيم.
العدالة آتية لا محالة؛ فمهما طال ليل الظلم، فإن عجلة التاريخ لا تترك مجرماً دون حساب. عودوا إلى رشدكم، وتخلوا عن أرواح الجشع، واعلموا أن يد العدالة أرضاً وسماءً ستطالكم عاجلاً أو آجلاً، ولن ينفعكم حينها الندم ولا ما جمعتموه من حطام الدنيا.
فيا أحرار اليمن، اصبروا وصابروا، فإن فجر الحرية ينبت من رحم المعاناة، ولن يضيع دمر أنقياء سقطوا حبّاً لهذا التراب.
قال تعالى: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}. صدق الله العظيم.
ولله عاقبة الأمور، والله المستعان.



