شيماء محمد
أن تعيش حياتك كأنك ملحوق مأساة، تلك هي الجريمة التي لا يحاسب عليها أحد.
نحن لم نكبر كما يكبر الأطفال، بل قفزنا من أحضان ألعابنا إلى سواتر التراب، نميّز أصوات الشظايا كما نميّز ألحان الموسيقى. كبُرنا وفي صدورنا زعب قديم، زعب ذلك السقف الذي كان يمكن أن ينهار في أي لحظة ليطمس ضحكاتنا الصغيرة.
نحن جيل لم تُسرق منه الخيارات فحسب، بل سُرق منه الطفولة وهي غضّة، والشباب وهو في أول الازدهار. نشأنا تحت سقفٍ من الخوف، تعلمنا الشظايا المتطايرة أن الأمان محض مصادفة، وأن البقاء على قيد الحياة نصرٌ يومي مؤقت. ينظر العالم إلى العشرينيات كمعبر للأحلام الكبرى، بينما عبرناها نحن بحقائب لم تكد تُحَطّ في ديرة حتى تُحمل إلى أخرى، غربة تلوها غربة، كيف يُشرح لهم أن الشباب الذي ينتظره الناس للتحليق والشغف، مضى منا في حقائب السفر، ننتقل فيه من بلد إلى بلد، مطرودين من حلم الاستقرار، يحاصرنا سؤال واحد: إلى متى؟
ويحدّثونا عن “زهرة العمر”، ولا يعلمون أن زهرتنا نبتت في صحراء الغربة، يابسة، يخنقها الجفاف ويطردها التراب. محادثتنا في العشرينيات لم تكن عن الحب ولا عن الطموح؛ كانت مواساةً بلغة البكاء، نربّت على قلوب بعضنا كي لا تنكسر، ونستجدي أملاً واهناً علّ الأيام ترحمنا. لم تكن أحاديثنا مع أقراننا لغواً أو ترفاً، بل كانت محاولات يائسة لترميم أرواحٍ تداعي.
وحتى تلك المقاعد التي خُصصت للسعي والتعلم، تحوّلت إلى منصاتٍ لمنعياتنا، حتى مقاعد الدراسة، تلك التي يرسم الناس عليها الغد، كانت عندنا شواهد قبورٍ لأحلامنا. كنا نجلس عليها لنناقش لا كيف ننجح، فكيف نجرؤ على العزف للمستقبل في وطنٍ يلفظ أبناءه، ويدفعهم نحو العدم؟
أوجع ما في هذا الشتات ليس الفقد وحده، بل هذا الترقّب القاتل. أن تجلس في صلاتك لا تطلب غير ألا تفجع بأهلك، في هذا الرعب المقيم.
في صلواتنا التي حُصرت في رجاءٍ واحد: “يا رب، لا تفجعنا بمن نحب، لا تفجعني بكسرٍ جديد”.
والوجع الأكبر، الوجع الذي يأكل العافية في صمت، هو وجه الأب في الليل. ذلك الرجل الذي كان يمتد كالجبل، نراه اليوم يتقلب على جمر الحيرة، يقتلُه التفكير في الغد، ويخجل من عجز يديه وهو يرى عمر أبنائه يتسرّب في الضياع.
لقد سرق الخوف منا حقنا في الفرح، وصار حتى الأمل يُفزعنا كأنه تمهيدٌ لمأساة جديدة. ونحاذر أن نبتسم كي لا تدفعنا الأيام ثمن تلك الابتسامة حزناً مضاعفاً.
لم نعد نطلب معجزات، كل ما نطالب به هذا العالم هو حقٌّ بديهي، ذهبت أعمارنا ونحن ننتظر فقط يوماً عادياً.. يوماً تشرق فيه الشمس على بلادٍ موحدة، لا نسير فيه خلف قصةٍ مبكية، ولا نودّع فيه أحبة، وليَلٍ ينام فيه الآباء دون خوفٍ من الغد، وعمرٌ نعيشه دون أن نكون مشروع فاجعةٍ مؤجلة.
نحن جيلٌ ذهب عمره وهو واقفٌ في طابور الانتظار متى يُدرك هذا العالم أننا لسنا مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، بل أرواحٌ احترقت وهي تنتظر حقّها البديهي في الحياة؟



