راضي صبيح
تصدرت العاصمة اليمنية صنعاء ومحافظة صعدة بنك أهداف الهجمات التي تشنها القوات الحكومية ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين)، في خضم تصعيد تزداد ضراوته مع دخوله الشهر الرابع.
وخلال الساعات الماضية، شنت القوات الحكومية موجتين من الهجمات على صنعاء وصعدة في تطور أثار تساؤلات عن أبعاد وأهداف هذه العمليات المكثفة.
ويأتي هذا التصعيد الحكومي في وقت يضغط فيه الحوثيون لتثبيت مكاسبهم في الساحل الغربي وباب المندب عبر محاولات للتمدد نحو مزيد من المناطق والمرتفعات الجبلية بمحافظتي تعز ولحج.
صنعاء قلب الصراع
تكتسب صنعاء الخاضعة للحوثيين منذ سبتمبر/أيلول 2014 أهمية إستراتيجية في الصراع في اليمن، باعتبارها العاصمة السياسية للبلاد ولِما تمثله من رمزية للدولة ومؤسساتها.
ومنذ اندلاع الحرب قبل 12 عاما، كانت المدينة حاضرة في قلب المعركة، إذ تسعى القوات الحكومية لاستعادتها، في حين يستميت الحوثيون للدفاع عنها، حيث كانت القوات الحكومية قد وصلت إلى مشارف المدينة من جبهة مديرية نهم شرقي صنعاء قبل تراجعها مطلع عام 2020 بعد معارك عنيفة.

وعلى وقع التصعيد الأخير الذي اشتعل بعد الهدوء النسبي الذي ساد خلال السنوات الأربع الماضية بين الطرفين، كانت صنعاء الميدان الأول لتنفيذ الطرفين تهديداتهما.
فبعد إعلان الحوثيين نهاية يونيو/حزيران الماضي الجاهزية والنفير العام وإعلان ما وصفوها بـ”مرحلة ميدانية جديدة” لإنهاء ما سمّوه “الحصار” وصلت في الثالث من يوليو/تموز رحلة جوية تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية إلى مطار صنعاء في خطوة وصفها مجلس القيادة الرئاسي اليمني بأنها انتهاك لسيادة اليمن وتحدٍّ للقانون الدولي، وتوعد بمنع أي رحلة ثانية.
لكن الحوثيين أكدوا إصرارهم على استمرار الرحلات بين طهران وصنعاء، ففي 13 يوليو/تموز الماضي وأثناء تحليق الرحلة الإيرانية الثانية في أجواء اليمن، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط الطائرة الإيرانية التي اضطرت للهبوط في مطار الحديدة.
مفاجأة قادمة
ورغم أن صنعاء كانت المسرح الأول لشرارة التصعيد الجاري، فإنها عادت للهدوء فيما بعد، قبل أن تعود في الأسبوعين الأخيرين إلى ساحة المواجهة.
ومع تفجر المعارك البرية والتقدم الذي أحرزه الحوثيون في الساحل الغربي ومنطقة باب المندب الإستراتيجية في سبتمبر/أيلول الماضي، عادت صنعاء إلى واجهة الأحداث.
وأطلقت القوات الحكومية بالتزامن مع ذلك عمليات في محافظات مأرب والبيضاء والجوف، وجميعها تشترك في حدود مع صنعاء، حيث بدا واضحا أن القوات الحكومية تحاول تحقيق اختراق باتجاه صنعاء.
وفي السابع من سبتمبر/أيلول الماضي، قال اللواء الركن سمير الصبري مستشار وزير الدفاع في التلفزيون اليمني الحكومي إنه تم اتخاذ القرار لتحرير صنعاء، مؤكدا أن “هناك مفاجأة لن نكشفها الآن”.
في حين قال رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي قبل أيام إن هدف الحكومة استعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، وصولا إلى صنعاء.
ضربات موجعة
في فجر يوم الجمعة 18 سبتمبر/أيلول الماضي نقلت وسائل إعلام محلية وأخرى دولية وقوع انفجارات في صنعاء مع تحليق طائرات مسيرة في سماء المدينة.
وبعد ساعات، خرج الحوثيون عبر المتحدث العسكري يحيى سريع، مشيرا إلى إفشال ما وصفها بأنها “مخططات إجرامية”، ومتهما السعودية بالوقوف خلفها، لكن القوات الحكومية التزمت الصمت تجاه ما حدث.
وتكرر المشهد خلال الأيام الماضية دون إعلان رسمي من القوات الحكومية، بيد أن الأمر تغير مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري حين أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي ضرب أهداف ذات “قيمة عالية” في العاصمة صنعاء وصعدة، دون مزيد من التفاصيل.
ومنذ ذلك الحين، توالت ضربات القوات الحكومية على صنعاء وصعدة، إذ أعلنت القوات المسلحة فجر اليوم توجيه ضربات موجعة ضد أهداف حيوية للحوثيين في المدينتين.
وتقول القوات الحكومية إن العمليات تجري باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.
وقبل يومين أعلنت القوات الحكومية -بالتزامن مع قصفها صنعاء- اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية تابعة للحوثيين في سماء العاصمة المؤقتة عدن، قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.
صعدة غارات وقصف صاروخي
إلى جانب صنعاء تحضر صعدة على خريطة التصعيد الحكومي، إذ تشكل هذه المحافظة أهمية كبرى كونها المعقل الرئيسي للحوثيين، فضلا عن موقعها المحاذي للمملكة العربية السعودية.
ومنذ 4 أيام تواصل القوات الحكومية تنفيذ هجمات ضد مواقع للحوثيين في صعدة، فيما تشير إعلانات الحوثيين إلى وقوع غارات وقصف صاروخي على العديد من مديريات المحافظة.
وتخضع غالبية محافظة صعدة لسيطرة الحوثيين، في حين تنتشر القوات الحكومية في بعض المناطق المحاذية للمملكة، وهو ما يجعلها مرشحة لاحتدام المعارك أكثر بين الجانبين.

ما أهمية الضربات؟
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، الدكتور علي الذهب، أن هذه الضربات الجوية دقيقة ومؤثرة وتستهدف مناطق ذات ثقل عسكري وأمني واستخباري وسياسي، لكنه يقول إنه لن يكون لها قيمة إلا إذا استُغلت على الأرض لخلق فارق في جغرافيا النفوذ.
واعتبر أن محافظة صعدة لم تعد المحافظة النائية، واصفا إياها بأنها أصبحت عاصمة الظل للحوثيين بما فيها من مراكز سياسية وعسكرية وأمنية واستخبارية تدير من خلالها الجماعة كافة المناطق، بما فيها العاصمة الشكلية صنعاء.
ويعتقد الذهب، في تصريح للجزيرة نت، أن تكثيف الهجمات على صنعاء وصعدة يحمل بعدين، أحدهما إستراتيجي قد يمهد لتوسيع مسرح العمليات، والآخر يتعلق بإضعاف قدرات الحوثيين على إسناد الجبهات بمزيد من التعزيزات.
ويشير إلى أن هذه العمليات للقوات الحكومية تعكس ضراوة المواجهة في محافظتي تعز ومأرب، مع دفع الحوثيين بتحشيداتهم إلى هذه المناطق لخلق واقع سياسي وعسكري مختلف.
ولفت إلى أن بنك الأهداف متجدد يوميا في صنعاء وصعدة وعمران وغيرها، وفقا للاستطلاع المكثف الجوي عبر الطائرات المسيرة أو من مصادر المعلومات الأرضية.
المصدر: الجزيرة + الصحافة اليمنية



