تقارير

26 عامًا على انتفاضة الأقصى.. من شرارة القدس إلى توقفها

انتفاضة الأقصى بعد 26 عامًا.. من شرارة القدس إلى توقفها

فلسطين_ الوعل اليمني

تحل اليوم، الاثنين 28 أيلول/سبتمبر، الذكرى السادسة والعشرون لاندلاع انتفاضة الأقصى، أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي بدأت في القدس عام 2000، قبل أن تمتد خلال أيام إلى مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتحول إلى واحدة من أكثر مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دموية.

وجاء اندلاع الانتفاضة في ظل حالة احتقان سياسي وشعبي متراكمة، بعد تعثر مفاوضات كامب ديفيد في يوليو/تموز 2000، واستمرار الخلافات حول قضايا الحل النهائي، وفي مقدمتها القدس والحدود والمستوطنات واللاجئون، إلى جانب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

في 28 سبتمبر/أيلول 2000، دخل زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أريئيل شارون باحات المسجد الأقصى في القدس الشرقية، برفقة أعداد كبيرة من قوات الشرطة والأمن الإسرائيلي.

وأثارت الزيارة غضبًا واسعًا بين الفلسطينيين، واندلعت مواجهات في محيط المسجد، قبل أن تتسع رقعتها في اليوم التالي، عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية ساحات الأقصى خلال صلاة الجمعة واستخدمت الرصاص والغاز، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين.

ومع اتساع المواجهات، انتقلت الاحتجاجات من القدس إلى مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، لتتحول خلال فترة قصيرة إلى انتفاضة فلسطينية واسعة.

وفي هذا السياق، أسهمت أحداث الأيام الأولى في زيادة حالة الغضب الشعبي، ومن أبرزها مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة، البالغ 11 عامًا، في قطاع غزة في 30 سبتمبر/أيلول 2000، بعدما أظهر تسجيل مصور لحظات احتمائه إلى جانب والده خلال إطلاق النار.

وأصبح مشهد الدرة أحد أكثر الصور حضورًا في الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالانتفاضة، كما حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الدولية.

الطفل الشهيد محمد الدرة

من المواجهات إلى العمل المسلح

بدأت الانتفاضة في أيامها الأولى بمواجهات شعبية واحتجاجات استخدمت خلالها الحجارة والزجاجات الحارقة، قبل أن تتصاعد تدريجيًا إلى مواجهات مسلحة بين فصائل فلسطينية والجيش الإسرائيلي.

ومع مرور الوقت، نفذت الفصائل الفلسطينية عمليات مسلحة داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية، فيما كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية، ونفذت حملات اعتقال واغتيالات وقصفًا واجتياحات واسعة للمدن والمخيمات.

وشهدت تلك المرحلة كذلك تطورًا في القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، من بينها استخدام الصواريخ محلية الصنع، في تحول ميز أدوات المواجهة مقارنة بالانتفاضة الفلسطينية الأولى التي ارتبطت بصورة أساسية بالمظاهرات والإضرابات والمواجهات الشعبية.

وفي المقابل، نفذت إسرائيل عمليات اغتيال استهدفت قيادات فلسطينية بارزة، من بينها مؤسس حركة حماس أحمد ياسين الذي اغتيل في مارس/آذار 2004، وخلفه في قيادة الحركة عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتيل بعد ذلك بأسابيع.

كما اغتالت إسرائيل في أغسطس/آب 2001 الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، في هجوم استهدف مكتبه بمدينة البيرة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2001، اغتال مسلحون من الجبهة الشعبية وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي في أحد فنادق القدس.

اجتياح وحصار عرفات

بلغت المواجهات إحدى أكثر مراحلها دموية خلال عام 2002، عندما شنت إسرائيل عملية «السور الواقي»، وشملت اجتياحات واسعة لمدن وبلدات ومخيمات في الضفة الغربية.

وأعادت القوات الإسرائيلية خلال العملية انتشارها العسكري داخل مراكز مدن فلسطينية كانت قد انسحبت منها جزئيًا في إطار ترتيبات اتفاق أوسلو.

وشهد مخيم جنين للاجئين، إلى جانب مناطق أخرى في الضفة الغربية، مواجهات وعمليات عسكرية واسعة، ترافقت مع هدم منازل وتجريف أراضٍ زراعية وإلحاق أضرار بالبنية التحتية.

وفي السياق ذاته، فرضت إسرائيل حصارًا على مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مدينة رام الله، واستمر الحصار فترات طويلة قبل أن يغادر عرفات إلى فرنسا لتلقي العلاج، حيث توفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2004.

وبقيت ظروف وفاة عرفات موضع جدل فلسطيني، وطرحت على مدى سنوات فرضيات بشأن تعرضه للتسميم، من دون حسم قضائي نهائي يثبت ذلك.

خسائر بشرية واسعة

وخلفت انتفاضة الأقصى خسائر بشرية كبيرة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين خلال نحو خمس سنوات من المواجهات.

وبحسب أرقام فلسطينية وإسرائيلية رسمية وردت في تقارير مختلفة، تراوحت حصيلة الضحايا الفلسطينيين بين نحو 4412 و4464 شهيدًا، فيما تراوح عدد الجرحى بين نحو 47 ألفًا و48 ألفًا.

أما الجانب الإسرائيلي، فتشير البيانات الواردة في تلك التقارير إلى مقتل نحو 1069 إسرائيليًا وإصابة قرابة 4500 آخرين.

كما شهدت سنوات الانتفاضة اعتقال آلاف الفلسطينيين، إلى جانب تدمير واسع للمنازل والمنشآت والأراضي الزراعية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبقيت أسماء وأحداث من تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، من بينها محمد الدرة، وفارس عودة الذي ارتبطت صورته بمواجهة دبابة إسرائيلية بالحجارة في قطاع غزة، إلى جانب أحداث مخيم جنين واجتياحات مدن الضفة الغربية.

توقف الانتفاضة

ومع بداية عام 2005، بدأت حدة المواجهات بالتراجع، بالتزامن مع تغيرات سياسية فلسطينية وإسرائيلية.

وفي 8 فبراير/شباط 2005، عقدت قمة شرم الشيخ في مصر بمشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريئيل شارون، إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني عبد الله الثاني.

وأعلن عباس وشارون خلال القمة الالتزام بوقف أعمال العنف، لتشكل القمة محطة رئيسية في تراجع المواجهات التي استمرت منذ سبتمبر/أيلول 2000.

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، نفذت إسرائيل خطة «فك الارتباط»، التي شملت إخلاء مستوطناتها وسحب قواتها من داخل قطاع غزة، إضافة إلى إخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.

لكن هذه الخطوة لم تنه السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ استمرت إسرائيل في السيطرة على مجاله الجوي والبحري ومعابر وحدود القطاع بدرجات مختلفة، وفرضت لاحقًا حصارًا مشددًا عليه.

وبعد 26 عامًا، تأتي ذكرى انتفاضة الأقصى في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فيما لا تزال قضايا القدس والمسجد الأقصى والاستيطان والاحتلال ومستقبل التسوية السياسية حاضرة في قلب المشهد الفلسطيني.

وتعيد الذكرى إلى الواجهة مرحلة مفصلية امتدت من شوارع القدس وساحات المسجد الأقصى إلى مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وخلفت آثارًا سياسية وإنسانية وأمنية ما زالت حاضرة في مسار الصراع حتى اليوم.