عبد الخالق محمد منصور
مرت اليمن بالعديد من الأزمات والنكبات في السابق وفي عصرنا الحاضر؛ ربما أسواؤها هو حكم أسرة بيت حميد الدين سابقاً، وفي عصرنا الحاضر هو حكم الميليشيات الحوثية لليمن.
يُصادف الحادي والعشرون من سبتمبر ذكرى يوم شؤم في التاريخ اليمني الحديث؛ ففي مثل هذا اليوم من عام 2014، اجتاح مسلحو جماعة الحوثي العاصمة صنعاء، ممهدين الطريق أمام انقلاب كامل على مؤسسات الدولة والتوافق الوطني. ورغم محاولات فرض سرديات احتفالية بهذه المناسبة المشؤومة، إلا أن الواقع المعاش والوقائع المأساوية تجعل من هذا التاريخ رمزاً لأسوأ مرحلة مر بها الشعب اليمني عبر تاريخه المعاصر والحديث.
لم يكن تاريخ 21 سبتمبر 2014 محطة مؤلمة وموجعة لليمنيين فحسب، بل مثّل أيضاً منطلقاً للتدخلات الخارجية في اليمن. ففيه انهار الدستور والقانون اليمني، وصعد مكانه الإعلان الدستوري وحل البرلمان في أوائل عام 2015، وتشكَّلت لجان ثورية وعليا لإدارة شؤون البلاد من أناس وأشخاص لا يعرفون معنى إدارة الدولة، ولا يدركون قواعد النظام والقانون.
لقد كان عصب المواطن اليمني هو راتبه؛ لذا فإن توقف صرف مرتبات مئات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين منذ عام 2016 يُعد الجريمة الاقتصادية الأقسى التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية، مما ألقى بملايين الأسر في أتون الفقر المدقع والعوز والحرمان.
وفي هذه الذكرى أيضاً، انهارت العملة وتجرفت المدخرات، وحلت الجباية التي تفرضها الميليشيات الحوثية بدلاً من الاقتصاد الحقيقي؛ مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية والأدوية. وتحول المجتمع اليمني -بفعل سياسات الاستحواذ والتجريف المالي- إلى طبقتين: فئة ضئيلة متنفذة راكمت الثروات الطائلة على حساب دماء وجوع الشعب (وتتمثل في الفئات السلالية وقيادات الميليشيات الحوثية العليا)، وأغلبية ساحقة تعاني من انعدام الأمن الغذائي.
لم تكن سيطرة الميليشيات الحوثية مجرد تغيير سياسي فحسب، بل كانت صاعقة فجرت أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقاً لتقارير الأمم المتحدة المتتابعة على مدى أكثر من عشر سنوات؛ فقد نزح ملايين اليمنيين داخلياً وخارجياً بحثاً عن الأمان ولقمة العيش، مفترشين العراء ومفارقين لمنازلهم ومزارعهم، وكان آخر ذلك ما حدث إثر سيطرة الميليشيات الحوثية على مدن الساحل الغربي.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وعادت أمراض كانت قد انقرضت مثل شلل الأطفال؛ نتيجة منع الميليشيات الحوثية لحملات التحصين، بل واعتقل أي طبيب ينادي بعمل حملات ضد المرض، إضافة إلى ظهور آلاف حالات الكوليرا بسبب الملوثات والسموم التي توردها الميليشيات من الخارج.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، تضاعف العبث بالمناهج التعليمية، وزاد تجهيل جيل كامل من الأطفال والشباب، حيث انقطع مئات الآلاف من الأطفال عن التعليم بسبب الفقر، وتدمير المدارس، أو استخدامهم دروعاً بشرية في جبهات القتال.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، تصاعدت الاعتقالات والتنكيل، وملاحقة واختطاف السياسيين، والصحفيين، والحقوقيين، وكل صوت حر يرفض المشروع الميليشاوي الحوثي؛ وهي حالة خلقت بيئة من الخوف والقمع المطلق.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، انتهجت الميليشيات الحوثية العقاب الجماعي من خلال تفجير منازل الخصوم السياسيين والقبليين ودور القرآن الكريم، في سابقة لم تعرفها الأعراف اليمنية من قبل.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، زرعت الميليشيات الحوثية أحقاداً طبقية وعنصرية مميتة “مثل خرافة الاصطفاء والولاية” لتمزيق وحدة المجتمع اليمني الذي طالما تعايش بمختلف مكوناته.
ويمكن القول إن استحضار ذكرى 21 سبتمبر لا يمثل تذكُّراً لحدث عابر، بل هو استدعاء لأسوأ كابوس وطني واجه الشعب اليمني، حيث تحولت الدولة إلى غنيمة، وانحرفت بوصلة التنمية والجمهورية نحو الكهف، والاستبداد، والظلم، والجهل. ومع ذلك، يبقى الأمل مرسخاً في وجدان الأحرار والرافضين لهذا الانقلاب بأن هذه الغمامة ستزول، وأن اليمن سيستعيد دولته وكرامة أبنائه عاجلاً غير آجل، وإن غداً لناظره قريب.



