تقرير خاص
تلقّت أوساط العمل الأهلي والمستقل في أرياف اليمن صدمة جديدة إثر قرار قضائي أصدرته المحكمة الابتدائية بمديرية الجبين في محافظة ريمة الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، قضى بإدانة وتغريم أربعة شباب نفذوا مبادرة مجتمعية ذاتية لتعبيد طريق جبلي شديد الوعورة.
وتفتح هذه الحادثة الملف الشائك المتعلق باستراتيجية مليشيات الحوثي في التضييق على المبادرات الشعبية ومحاولات السيطرة على العمل التعاوني وإخضاعه لمنظومتها الإدارية والمالية، خصوصاً في المناطق التي تعاني غياباً كاملاً للمشاريع الخدمية والتنموية الرسمية.
وتعود تفاصيل القضية إلى اقدام أربعة مواطنين من أبناء مديرية الجبين، وهم: محمد قاسم عبده القليصي، ومحمود علي عبدالله قايد، ومحمد علي إبراهيم العياشي، ومحمد علي محمد الحرازي، على تنفيذ مشروع تطوعي لرصف طريق “بني الحرازي” بهدف تسهيل حركة سير المركبات وإنهاء حالة العزلة التي فرضتها طبيعة المنطقة الجبلية القاسية. ولتحقيق ذلك، قام المتطوعون باقتطاع أحجار من منطقة صخرية غير مسكونة ومهجورة واستخدامها بشكل مباشر في فرش وتعبيد الطريق الممتد لخدمة آلاف الأهالي.
تجريم الجهود الخدمية التطوعية
وبدلاً من تقديم الدعم والتسهيلات للجهود الأهلية، أقدمت السلطات القضائية والإدارية التابعة للمليشيات في ريمة على تحريك دعوى جنائية ضد المنفذين بطلب من مكتب ضرائب ومصلحة الأراضي والعقارات في المحافظة، ممثلاً بالقيادي الحوثي عبد الرحمن الجله. وقضى الحكم الصادر برئاسة القاضي عبد الله محمد محمد علي الأهدل بإدانة الشبان الأربعة بتهمة الاعتداء على أملاك الدولة، واستخراج الأحجار دون الحصول على تراخيص رسمية وموافقات مسبقة.
وتضمن القرار تحميل المدانين القيمة المالية لكافة الصخور والأحجار المستخدمة في رصف المشروع الخدمي، وفرض غرامات مالية إضافية وإلزامهم بدفع جميع مصاريف التقاضي وأتعاب المحاماة لصالح الجهات المدعية. وتحولت هذه الخطوة القضائية من إجراء إداري شكلي إلى رسالة صارمة تستهدف الحد من الحركة التعاونية المستقلة، وتحويل أي نشاط تطوعي لا يمر عبر قنوات الجماعة ومشرفيها إلى جريمة موجبة للعقاب المالي والإداري.
استنكار وتهكم عبر المنصات
وأثار القرار موجة عارمة من الاستنكار والتنديد على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية اليمنية، حيث اعتبر كتاب ونشطاء أن تحويل عملية رصف طريق عام من فعل إنساني نفعي إلى قضية جنائية يمثل نموذجاً لآلية تعامل المليشيات مع المجتمع المدني.
وتداول النشطاء منشورات تهكمية لاذعة تسلط الضوء على هذه المفارقة الإدارية التي تعاقب المواطن على مبادرته وتتجاهل مسؤوليتها في توفير الخدمات الأساسية.
وانتقد الصحفيون الممارسات القضائية الحوثية عبر تدوينات ركزت على مفارقة تحريك أجهزة القضاء ضد أفراد حاولوا إصلاح البنية التحتية بجهودهم الذاتية في منطقة تتسم بالوعورة البالغة كجبال ريمة.
وأشارت القراءات التهكمية للنشطاء إلى أن السلطات القائمة باتت تنظر إلى أي حراك أهلي مستقل باعتباره خرقاً لسيطرتها واحتكارها للخدمات، مستغربين فرض غرامات مالية وإلزام المواطنين بدفع ثمن أحجار أُخذت من جبل صخري مهجور لوضعها في طريق عام يستفيد منه كافة أبناء المنطقة.
تهافت السند القانوني والمشروعية
وفي قراءة قانونية حادة للواقعة، اعتبر وكيل وزارة العدل اليمنية القاضي فيصل المجيدي أن منطوق القرار الصادر عن محكمة الجبين يتناقض مع جوهر القانون والعدالة؛ إذ يقر الحكم ذاته في حيثياته بأن الفعل كان مبادرة تعاونية مجتمعية لخدمة طريق عام، ثم يعود ليدين المنفذين بتهمة الاستيلاء على أملاك الدولة.
وأوضح المجيدي أن أركان الجريمة الجنائية من قصد وضرر ومنفعة خاصة منعدمة تماماً في هذه الواقعة، طالما أن الأحجار لم تُبع في الأسواق ولم تُستغل لمكاسب شخصية، بل وُضعت في ممتلكات عامة لخدمة المصلحة العامة.
وشدد المجيدي على وجود فارق قانوني شاسع بين المخالفات الشكليّة المتعلقة بتراخيص البناء وبين تكييف العمل التطوعي كجرم يستوجب الغرامة والتعويض، مشيراً إلى أن المغزى الحقيقي من مثل هذه الأحكام يتلخص في رغبة سلطة الأمر الواقع في السيطرة على كافة المبادرات الأهلية وأموال المغتربين وفرض الأتاوات عليها.
وأضاف أن الجهاز القضائي الخاضع لسلطة مليشيات الحوثي يفتقر للشرعية الدستورية والدولية، مذكّراً بالأحكام القضائية الباتة الصادرة عن المحاكم اليمنية الشرعية التي أدانت قيادات المليشيات بجرائم الانقلاب والعصيان المسلح، فضلاً عن القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع وتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية في العديد من المحافل الدولية.
تقييد بيئة المبادرات الشعبية
وتعد محافظة ريمة من أكثر المحافظات اليمنية اعتماداً على التمويل الذاتي والمبادرات التعاونية للغلبة على التضاريس الجبلية الصعبة، حيث سطر أهالي المحافظة والمغتربون في الخارج نجاحات واسعة في شق الطرقات وبناء المدارس والمستوصفات برؤوس أموالهم الخاصة لتعويض الغياب التام للمشاريع الحكومية.
غير أن السياسات المتشددة التي تنتهجها سلطة الأمر الواقع الحوثية باتت تفرض شروطاً أمنية وإدارية معقدة، وتطالب بدفع رسوم وجبايات على المواد الأولية المستخرجة من البيئة المحلية.
ويرى مراقبون حقوقيون ومحللون سياسيون أن قضية شباب “بني الحرازي” تشير إلى توجه حوثي واضح لتقويض العمل التعاوني وتجريف منظمات المجتمع المدني، خشية نشوء أطر قيادية مجتمعية مستقلة تعتمد على ذاتها بعيداً عن الهياكل الإدارية والمشرفين التابعين للمليشيات. ويحذر المراقبون من أن استمرار هذه الممارسات سيعطل عشرات المشاريع الخدمية التي تعتمد على المبادرات الذاتية، مما يضاعف من معاناة السكان في المناطق الريفية والجبلية المحرومة.



