تقارير

الجباية تخنق صنعاء والمال يختفي


تقرير خاص

لم يعد المواطن في صنعاء يواجه أزمة واحدة يمكن احتمالها، بل منظومة متشابكة من الضغوط تبدأ من راتب غائب، ولا تنتهي عند متجر يغلق أبوابه أو أسرة تضطر إلى تقليص احتياجاتها الأساسية. وبينما تتراجع القدرة الشرائية ويتسع الركود التجاري، تتزايد الرسوم والجبايات التي يدفعها المواطن والتاجر تحت مسميات متعددة، في مشهد يفتح سؤالًا أكبر من مجرد الأزمة الاقتصادية: أين تذهب الأموال التي تُحصّل يوميًا من الناس؟

راتب غائب

يقول موظفون في صنعاء إن استمرار انقطاع الرواتب حوّل الوظيفة العامة من مصدر دخل إلى مجرد صفة إدارية، بعدما أصبح الموظف مطالبًا بالاستمرار في أداء مهامه دون الحصول على مستحقاته المنتظمة.

ويقول موظف حكومي لموقع ـ«الوعل اليمني» إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتأخر الراتب، وإنما بما ترتب عليه من ديون وتراكم التزامات، مضيفًا أن الموظف أصبح مضطرًا للبحث عن أعمال إضافية لإعالة أسرته، بينما تستمر مطالبات العمل وكأن الراتب يُصرف بصورة طبيعية.

ويرى مختصون اقتصاديون أن غياب الأجور عن شريحة واسعة من الموظفين يضرب السوق من جهتين؛ الأولى تقليص قدرة الأسر على شراء السلع والخدمات، والثانية إضعاف حركة التجار والمحال التي تعتمد أساسًا على إنفاق المواطنين.

وهذا ما تؤكده حالة الأسواق في صنعاء، حيث أفادت مصادر محلية بتزايد إغلاق المحال التجارية وعرضها للإيجار في شوارع رئيسية، بينها شارع حدة وشارع صفر وشارع إيران، وسط حديث عن ركود حاد وتراجع حركة البيع والشراء.

سوق راكد

يوكد سمير احد التجار لموقع ـ«الوعل اليمني» إن المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده، بل في اختفاء الزبون القادر على الشراء، موضحًا أن التاجر لديه إيجار وكهرباء ونقل ورسوم والتزامات أخرى، بينما المبيعات لا تغطي في بعض الأحيان تكاليف استمرار النشاط.

ويضيف” سامر ” تاجر آخر أن استمرار المحل أصبح بالنسبة إلى بعض أصحاب المشاريع خسارة شهرية، ولذلك يفضل صاحبه إغلاقه أو عرضه للإيجار بدل الاستمرار في دفع التكاليف دون عائد.

ويشرح اقتصاديون أن إغلاق المحال لا يمثل مشكلة تجارية منفصلة، بل مؤشرًا على انكماش الدورة الاقتصادية. فكلما انخفض دخل الموظف والمواطن، تراجعت المبيعات، ومع تراجع المبيعات يعجز التاجر عن الوفاء بالتزاماته، ثم يخفض العمالة أو يغلق نشاطه، لتتسع دائرة الركود.

جبايات متصاعدة

في المقابل، لا يبدو أن تراجع النشاط الاقتصادي أوقف تدفق الرسوم والتحصيلات.

وتتحدث شكاوى مواطنين وتجار عن تعدد الرسوم والمطالبات المالية التي ترافق ممارسة الأنشطة التجارية والحصول على بعض الخدمات، بما يزيد تكلفة المعيشة والعمل في بيئة اقتصادية تعاني أصلًا من ضعف السيولة.

ويقول صاحب محل لـموقع «الوعل اليمني» إن التاجر أصبح يحسب تكلفة الرسوم والجبايات قبل أن يحسب أرباحه، معتبرًا أن المشكلة في تعدد الجهات التي تطلب الأموال وتنوع المسميات التي تُحصّل بها.

ويرى مختصون أن الخطر لا يكمن فقط في قيمة المبلغ الذي يدفعه التاجر، وإنما في عدم وضوح العلاقة بين التحصيل والإنفاق العام. فعندما تُفرض مبالغ متعددة من دون شفافية كافية بشأن حجم الإيرادات ومصارفها، يصبح من الصعب على المواطن معرفة ما الذي يعود إليه من الأموال التي يدفعها.

خدمة مدفوعة

ولا تقتصر الضغوط على النشاط التجاري ,في القطاع الصحي، تحدث سكان عن غياب أدوية في مستشفيات حكومية وفرض رسوم على بعض الخدمات، بالتزامن مع تدهور الوضع الصحي في عدد من المناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين.

وفي محافظة الجوف، نقلت شكاوى محلية حديثة اتهامات لمدير مكتب الصحة بالتقصير في مواجهة انتشار حمى الضنك، فيما قال سكان إن غياب الأدوية والرعاية المناسبة دفع بعض الأسر إلى نقل مرضاها إلى صنعاء بعد تدهور حالتهم الصحية، رغم ارتفاع تكاليف السفر والعلاج.

وتكشف هذه الحالات مفارقة واضحة: المواطن يدفع عندما يبحث عن الخدمة، ويدفع عندما يحاول الوصول إلى العلاج، ويدفع عندما يحاول تشغيل متجره، بينما يبقى السؤال قائمًا حول الأموال التي تُجمع وحجم ما يعود منها إلى الخدمات العامة.

تعليم بلا مقابل

وتظهر الأزمة أيضًا داخل قطاع التعليم “ففي عمران، أفاد مصدر تربوي بأن مدير مكتب التربية طرد أربع موجِّهات من اجتماع بعد نقاش يتعلق بالأعباء الإضافية والمقابل المالي الذي يحصلن عليه، مشيرًا إلى أن إحدى الموجهات اعترضت على حجم العمل مقارنة بما تتقاضاه من نصف راتب لا يغطي حتى تكاليف التنقل والنزول الميداني.

وبحسب المصدر” رُفض طلب زيادة المقابل المالي، وقيل خلال الاجتماع إن البلاد «في عدوان» وإن على الجميع العمل دون مقابل”في الجهة الأخرى، تتكرر أحاديث عن تفاوت كبير في الموارد والامتيازات داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

وكان الناشط التربوي عبد الملك الحضراني قد اتهم سلطة صنعاء بمحاربة الموظفين ورفض صرف الرواتب، وقال إن أشخاصًا موالين للجماعة يحصلون على مخصصات وإعاشات تفوق أضعاف ما يحصل عليه الموظفون الرسميون.

هذه الاتهامات، حتى مع الحاجة إلى التحقق المستقل من أرقامها، تفتح ملفًا بالغ الحساسية يتعلق بكيفية توزيع الموارد العامة، ومن يحصل على المخصصات، وما المعايير التي تحكم ذلك.

ويقول المختص المالي” عبد الرب سعيد لموقع ـ«الوعل اليمني» إن أي اقتصاد يخسر جزءًا كبيرًا من فعاليته عندما لا تكون هناك قواعد واضحة ومعلنة للإنفاق العام، لأن غياب الشفافية يفتح الباب أمام المحاباة وتضارب المصالح ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات.

اقتصاد المشرفين

ولا تتوقف الأزمة عند المؤسسات الرسمية، إذ تشير شهادات ومواقف منشورة إلى وجود نفوذ اقتصادي خارج الأطر الحكومية التقليدية.

وتظهر في الخطاب الداخلي للجماعة نفسها انتقادات بشأن النفوذ والامتيازات وتوزيع الموارد، بما في ذلك سجالات علنية بين شخصيات حوثية حول الهدايا والمخصصات والنفوذ.

وفي إحدى الوقائع المتداولة، تباهى الشاعر محمد الجرموزي بسيارة قال إنها هدية من زعيم الجماعة، وهو ما أثار سجالًا واسعًا داخل الأوساط الموالية للحوثيين، قبل أن تتبادل شخصيات حوثية الاتهامات حول حقيقة الهدية وأسباب منحها.

تتكرر في الشكاوى الاقتصادية نقطة واحدة: المواطن يعرف كم يدفع، لكنه لا يعرف بالضرورة أين تذهب الأموال بعد تحصيلها.

ويقول الناشط ” علي مهدي لموقع ـ«الوعل اليمني» إن غياب الشفافية المالية يجعل المواطن يتحمل تكلفة الأزمة مرتين؛ مرة عندما يفقد دخله، ومرة عندما يُطلب منه دفع المزيد مقابل الخدمات أو ممارسة نشاطه الاقتصادي.

مدينة تدفع

في صنعاء اليوم، تتجاور صورتان متناقضتان ,محال مغلقة ولافتات «للإيجار» تنتشر في شوارع تجارية، وموظفون يبحثون عن مصادر دخل بديلة، وأسر تقلص إنفاقها، وتجار يشكون من ضعف المبيعات وتعدد الالتزامات، وفي المقابل تستمر عمليات التحصيل والجباية وتظهر بين الحين والآخر مظاهر امتيازات ونفوذ.

يقول معاذ رياض مواطن لـ«الوعل اليمني» إن أكثر ما يرهق الناس هو أنهم لا يعرفون متى تنتهي هذه الدائرة، مضيفًا أن المواطن لا يطلب أكثر من راتب منتظم وخدمة عامة واضحة ورسوم معلومة لا تتغير بحسب الجهة أو المسؤول.

أما التاجر، فيرى أن استمرار الضغط عليه لن يؤدي إلى زيادة الإيرادات على المدى الطويل، بل قد يدفع المزيد من أصحاب المشاريع إلى الإغلاق، وهو ما يعني فقدان وظائف وتراجع النشاط التجاري وانخفاض القدرة على التحصيل مستقبلًا.

وبينما تستمر الأسر في البحث عن طريقة للبقاء، يبقى السؤال الذي يصعب تجاوزه: إذا كان المواطن والتاجر والموظف جميعهم يدفعون ثمن الأزمة، فمن الذي يستفيد من الأموال التي لا تتوقف عن التحصيل؟

.