تقارير

مقر اتحاد الأدباء في مرمى الحوثيين.. محاولة للاستيلاء على ذاكرة اليمن الثقافية

تقرير خاص

شهدت العاصمة صنعاء، خلال الأسبوع الماضي، تصاعداً حاداً في حالة الصدمة والغضب الثقافي، عقب خروج المخطط الحوثي للسيطرة على مقر الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين إلى العلن.

وفي سياق حملة ممنهجة تباشرها مليشيا الحوثي للإجهاز على ما تبقى من المؤسسات المدنية الحرة، أقدم أشخاص نافذون منسوبون إلى ما يُسمى «بيت الجوبي» على محاولة الدخول إلى مقر الاتحاد الكائن في حي الرقاص، حاملين أمراً قضائياً بإخلاء المبنى.

وأكدت الأمين العام للاتحاد، هدى أبلان، أن حارس المقر أُبلغ بوصول الأشخاص ومحاولتهم تسليم أمر الإخلاء، غير أنه رفض التوقيع أو استلام الأوراق، في واقعة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار في أوساط الأدباء والكتاب والمثقفين اليمنيين.

شرعنة السطو بغطاء قضائي

ورصد «الوعل اليمني» حالة من السخط والرفض الواسع في الأوساط الثقافية، وسط انتقادات حادة لممارسات مليشيا الحوثي تجاه المؤسسات المدنية والثقافية، ومخاوف من استغلال أجهزة القضاء الخاضعة لسيطرتها لشرعنة وضع اليد على ممتلكات المؤسسات المستقلة.

ولم ينظر أدباء وكتاب إلى الواقعة باعتبارها نزاعاً عقارياً عابراً، بل اعتبروها استهدافاً لمؤسسة ثقافية ونقابية عريقة، ارتبط اسمها بتاريخ الحركة الأدبية والفكرية في اليمن على مدى عقود.

وفي شهادة توثيقية حول ملكية المبنى، أوضح الكاتب عبدالوهاب الشيباني أن مقر الأمانة العامة للاتحاد تم شراؤه عام 1993، وكان حينها مكوناً من دورين، قبل أن تضاف إليه منشآت ومرافق أخرى خلال السنوات اللاحقة.

وأشار الشيباني إلى أن المبنى الشعبي الملاصق للمقر تم شراؤه وهدمه لاحقاً لتشييد قاعة مركزية على نفقة الراحل أحمد جابر عفيف، فيما جرى في عام 1998 تشييد دور إضافي للمبنى وتجهيزه وتأثيثه ليكون مكتبة مركزية للاتحاد، إلى جانب مكاتب إدارية لقيادته وموظفيه، بدعم من رئيس الوزراء الأسبق محسن العيني والسفير محمد محمد القوسي.

وأكد الشيباني أن مقر الأمانة العامة في صنعاء، بهذه الصورة، يمثل ملكية مستقرة للاتحاد منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما يعود تاريخ الاتحاد نفسه إلى أكتوبر 1970.

ورأى أن محاولة المساس بالمقر تعني استهداف أحد أهم الأصول الرمزية للأدباء والكتاب اليمنيين، محذراً من أن وضع اليد عليه يمثل تعدياً على مؤسسة سبقت، بتاريخها، كثيراً من القوى والسلطات التي تتحكم اليوم بمؤسسات الدولة.

تجريف الثقافة ومصادرة للذاكرة

ويرى الكاتب والناشط صالح البيضاني في مقالة له نشرها على فيسبوك، أن ما يحدث لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التضييق الذي طال المؤسسات الثقافية والفنية والمدنية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.

وقال البيضاني إن مقر الأمانة العامة ليس مجرد مبنى يمكن الاستيلاء عليه أو التصرف فيه، وإنما جزء من ذاكرة اليمن الثقافية، وبيت تعاقبت عليه أجيال من الأدباء والشعراء والمفكرين.

وأشار إلى أن الاتحاد تعرض خلال سنوات الحرب لظروف قاسية، من بينها توقف موازنته المتواضعة، وتعطل أنشطته، وتشتت عدد من أعضائه وقياداته بين المدن ومناطق النزوح وخارج البلاد.

وبحسب البيضاني، فإن هذه الظروف أضعفت المؤسسة وأثرت في قدرتها على مواجهة محاولات التدخل والاستحواذ، معتبراً أن استغلال ضعف الاتحاد ووضع اليد على ممتلكاته يمثل تجاوزاً للنقد المشروع لأدائه إلى محاولة الاستيلاء على أصوله.

وحذر من أن إخضاع الاتحاد أو مصادرة مقراته ووثائقه وأرشيفه من شأنه أن يهدد استقلال المؤسسة وذاكرة الثقافة، ويفتح الباب أمام تحويل مؤسسات الثقافة إلى أدوات تابعة للسلطات والجماعات المسيطرة.

وتأتي هذه الواقعة في ظل سجل من الانتقادات الموجهة إلى مليشيا الحوثي بشأن تضييقها على الفضاءات الثقافية والفنية في صنعاء، بما في ذلك منع أو تقييد فعاليات وأنشطة فنية وثقافية، وإغلاق بعض المقاهي والمنابر والمقرات التي كانت تستضيف أنشطة فكرية وإبداعية.

استنفار الوسط الثقافي

وتحولت الواقعة إلى قضية رأي عام داخل الوسط الثقافي اليمني، مع توالي بيانات ومواقف التضامن مع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، والتحذير من المساس بمقره أو ممتلكاته.

وأكد الكاتب محمد علي اللوزي على مدونة له أن مقر الأمانة العامة للاتحاد يمثل ملكية لجميع الأدباء والكتاب اليمنيين، وأن محاولة السطو عليه تمس الكيان الثقافي برمته.

وأشار اللوزي إلى أن المقر احتضن على مدى سنوات فعاليات وأنشطة أدبية وثقافية، وشكل مساحة التقى فيها الأدباء والكتاب، معتبراً أن محاولة الاستيلاء عليه تمثل، بالنسبة إلى كثير من أعضاء الاتحاد، اعتداءً على جزء من ذاكرتهم وتجربتهم الثقافية.

كما حذر من العبث بوثائق ملكية الاتحاد، مؤكداً أن مستندات المقر معروفة، وأن أي محاولة لاستخدامها في نقل الملكية أو حجبها ستثير مسؤولية من يقف خلف ذلك، بحسب تعبيره.

من جهته، أعلن الكاتب محمد عبده البردوني تضامنه مع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، معتبراً أن الواقعة تأتي في سياق محاولات أوسع طالت مقرات الاتحاد في عدد من المحافظات التي تخضع لسيطرة مليشيات الحوثي.

وأشار البردوني إلى واقعة سابقة تتعلق بمقر فرع الاتحاد في محافظة ذمار، معتبراً أن تكرار استهداف مقرات الاتحاد يمثل تهديداً لمؤسسة وصفها بأنها من أبرز المؤسسات الثقافية والنقابية التي حافظت على حضورها في تاريخ اليمن الحديث.

مخاوف على الأرشيف والذاكرة

ولا تقتصر المخاوف التي أثارتها محاولة السيطرة على مقر الأمانة العامة على المبنى ومرافقه، إذ يخشى أدباء وكتاب من أن تطال الإجراءات المكتبة المركزية والأرشيف والوثائق التي راكمها الاتحاد طوال عقود.

ويضم المقر جانباً من الذاكرة المؤسسية للاتحاد، بما في ذلك الكتب والوثائق والمقتنيات المرتبطة بنشاطه الثقافي، الأمر الذي يجعل أي تغيير في وضع المبنى أو السيطرة عليه مصدر قلق بشأن مصير هذه المواد.

ويرى مثقفون أن حماية المقر لا تنفصل عن حماية تاريخ الاتحاد نفسه، خصوصاً في ظل ما تعرضت له مؤسسات ثقافية ومدنية يمنية خلال سنوات الحرب من نهب وتدمير وتشتت للوثائق والمقتنيات.

ورصد «الوعل اليمني» تضامناً واسعاً مع الاتحاد، شمل كتاباً وأدباء ومثقفين ونشطاء، إلى جانب مواقف نقابية وحقوقية حذرت من المساس بالمقر وممتلكات المؤسسة.

وتضع هذه التحركات مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أمام اختبار جديد في ظل واقع تسيطر فيه مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في صنعاء، فيما يخشى الوسط الثقافي من أن تتحول المؤسسات المدنية المستقلة إلى ضحايا جدد للصراع والاستحواذ.

وبالنسبة إلى الأدباء والكتاب الرافضين للإجراء، فإن القضية تتجاوز ملكية عقار في حي الرقاص؛ فالمقر يمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية اليمنية، ومكاناً ارتبط بنشاط أجيال من المبدعين.

ويرى هؤلاء أن محاولة السيطرة عليه، أياً كانت الذريعة المستخدمة، تمثل ضربة جديدة لاستقلال المؤسسات الثقافية والمدنية، وتهديداً لما تبقى من مساحات العمل الثقافي المستقل في العاصمة صنعاء، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار مليشيا الحوثي في فرض نفوذها على المؤسسات والممتلكات العامة والأهلية والخاصة في مناطق سيطرتها.