تقارير

لماذا يتآكل الحوثيون من الداخل؟ 8 أزمات تدفع مليشيات الحوثي نحو السقوط

تقرير خاص

لم تعد أزمة مليشيات الحوثي في اليمن محصورة في خطوط المواجهة أو مرتبطة بنتائج المعارك وحدها، بل انتقلت إلى عمق البنية التي أقامت عليها المليشيات سلطتها منذ سيطرتها على صنعاء.

ثمانية أزمات متداخلة تضغط على الجماعة في آن واحد: استنزاف عسكري متواصل، اقتصاد قائم على الجباية، تجنيد متصاعد، تضييق أمني، تراجع الخدمات، أزمة رواتب، اتساع الفجوة بين القيادة والمجتمع، وتآكل الخطاب الذي استخدمته المليشيات لتبرير بقائها.

في الظاهر تبدو القبضة الحوثية أكثر تشدداً، لكن التشدد الأمني لا يعني بالضرورة مزيداً من القوة. ففي كثير من الحالات يصبح اتساع القمع مؤشراً على اتساع دائرة الخوف من الداخل.

جيش الولاء

لم تبنِ مليشيات الحوثي جيشاً وطنياً بالمعنى المؤسسي، بل أقامت منظومة عسكرية تقوم على التشكيلات المسلحة والقيادات الميدانية والمشرفين وشبكات الولاء المباشر.

وقد منح هذا النموذج الجماعة قدرة عالية على الحركة خلال سنوات الحرب، لكنه أنتج في المقابل مؤسسة عسكرية مرتبطة بالمشروع السياسي للمليشيات أكثر من ارتباطها بمفهوم الدولة.

ومع اتساع الجبهات وارتفاع الخسائر، أصبحت الحاجة إلى تعويض المقاتلين أكثر إلحاحاً، وهو ما يفسر تصاعد حملات التعبئة والاستقطاب التي طالت فئات عمرية واجتماعية مختلفة.

ويرى الباحث السياسي صالح كريم، في حديث لـ«الوعل اليمني»، أن «المشكلة التي تواجه الحوثيين ليست فقط في خسارة المقاتلين، وإنما في استنزاف البنية التي تعتمد عليها الجماعة لإنتاج مقاتلين جدد بصورة مستمرة».

نزيف الجبهات

تكشف قوائم القتلى التي تعلنها المليشيات بصورة دورية عن استمرار الخسائر البشرية في صفوفها، بما في ذلك قيادات تحمل رتباً عسكرية ومواقع ميدانية.

ولا تكمن أهمية هذه الخسائر في أعداد القتلى وحدها، بل في طبيعة العناصر التي تفقدها الجماعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادات تمتلك خبرة ميدانية وشبكات ارتباط داخل الوحدات القتالية .وفي المقابل، فإن وصول أعداد كبيرة من الجرحى إلى المستشفيات يفرض كلفة إضافية على منظومة صحية تعاني أصلاً من ضعف الموارد.

ويقول ناشط من صنعاء، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، لـ«الوعل اليمني»: «الناس يسمعون عن القتلى والجرحى، لكنهم يعرفون أن وراء كل اسم أسرة ستواجه الفقر والبحث عن مصدر دخل جديد».

اقتصاد الجباية

في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد الجباية إجراءً استثنائياً، بل تحولت إلى واحدة من أهم أدوات إدارة الاقتصاد والسيطرة على المجتمع ,التاجر يواجه رسوماً وإتاوات

المزارع يواجه مطالبات مالية، المدارس تدخل في دوامة التحصيل، والأسر تتحمل كلفة مناسبات وفعاليات تفرض عليها تحت عناوين مختلفة.

وفي الوقت ذاته، يعيش موظفون حكوميون سنوات من دون راتب منتظم، بينما تتوسع الإيرادات التي تتحكم بها سلطات الأمر الواقع
وتقول اسمهان صادق ” لموقع الوعل اليمني “إن «اقتصاد الجباية قد يوفر للمليشيات سيولة مؤقتة، لكنه لا يستطيع بناء اقتصاد مستدام، لأنه يقوم على استنزاف النشاط الاقتصادي بدلاً من تنميته».

ويضيف أن «استمرار هذا النموذج يوسع الفجوة بين المجتمع والسلطة ويضعف قدرة السوق المحلية على التعافي».

الجوع الصامت

خلف الجبايات والأرقام الاقتصادية تقف حياة يومية أكثر قسوة ,أسرة تبحث عن قوت يومها, موظف ينتظر راتبه ,أب عاجز عن توفير احتياجات أبنائه ,وطالب يواجه مصاريف إضافية في وقت تعاني فيه أسرته أصلاً من ضيق المعيشة.

يقول المواطن بشير عبد الحق لـ «الوعل اليمني»: «لم يعد المواطن يسأل عن السياسة بقدر ما يسأل عن الراتب والطعام والدواء، وعندما تصبح هذه الأشياء بعيدة يصبح الكلام عن الإنجازات والشعارات بلا معنى»

ويضيف مواطن آخر من صنعاء، طلب عدم ذكر اسمه: «الناس تخاف من الكلام، لكن الخوف لا يعني أن الناس راضية»

حين تدخل التعبئة العسكرية إلى المدارس، فإن الأزمة تتجاوز حدود التجنيد لتصل إلى مستقبل المجتمع نفسه ,وتشير إفادات محلية إلى إلحاق طلاب بدورات مغلقة دون إبلاغ أسرهم مسبقاً بتفاصيلها، في إطار حملات تحشيد تستهدف طلاباً من مراحل دراسية مختلفة.

وهنا تتحول المدرسة من مكان للتعليم إلى مساحة للتعبئة العقائدية والعسكرية.

ويقول معاذ علي تربوي الـ«الوعل اليمني»: «الخطير في استهداف المدارس أن الجماعة لا تبحث فقط عن مقاتل اليوم، وإنما تحاول صناعة جيل يرى الحرب جزءاً طبيعياً من حياته

ويضيف: كل ساعة يقضيها الطالب في التعبئة هي ساعة تُنتزع من التعليم، وكلما زادت عسكرة المدرسة تراجعت وظيفتها الأساسية

القبضة الأمنية

كلما اتسعت دائرة الاستدعاءات والاعتقالات والمداهمات، أصبحت الأجهزة الأمنية إحدى أهم أدوات ضبط المجتمع، وقد طالت حملات الحوثيين، وفق إفادات محلية وحقوقية، مدنيين وعقال حارات وناشطين وموظفين، وسط اتهامات باستخدام الاحتجاز والتحقيق للضغط على المجتمع وتنفيذ سياسات التجنيد والجباية.

ويقول الناشط هاشم العمري لـ«الوعل اليمني»: المليشيات أصبحت تتعامل مع المجتمع باعتباره ملفاً أمنياً؛ من لا يجند، ومن لا يدفع، ومن لا يردد خطابها يصبح موضع شك

ويرى أن «هذه السياسة قد تمنع الناس من التعبير، لكنها في المقابل توسع المسافة النفسية بينهم وبين سلطة الحوثيين

على مدى سنوات رفعت مليشيات الحوثي شعارات تتعلق بمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن المواطن في مناطق سيطرتها يواجه أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالراتب والغذاء والخدمات والأمن.

وهنا نشأت فجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي ,فالشعارات تستطيع تعبئة المقاتلين، لكنها لا تستطيع وحدها إطعام الأسر أو إعادة الرواتب أو إصلاح الخدمات.

يقول الاكاديمي عبده الحيمي لـ«الوعل اليمني “كل سلطة تحتاج إلى رواية تبرر وجودها، لكن هذه الرواية تفقد تأثيرها عندما يصطدم المواطن يومياً بواقع يناقضها

ويضيف: «الاختبار الحقيقي للخطاب الحوثي لم يعد في قدرته على الحشد، وإنما في قدرته على إقناع المجتمع بأن استمرار الوضع القائم يخدم مصالحه

الدين والسلطة

تستند مليشيات الحوثي إلى خطاب ديني وسياسي يمنحها تصوراً خاصاً للقيادة والحق في الحكم، غير أن هذا الخطاب يواجه تناقضاً متزايداً مع ممارسات ترتبط بالجباية والاعتقالات والفساد وإقصاء الخصوم.

ويقول المحامي قيس احمد لـ«الوعل اليمني» كلما ارتفع الخطاب الديني للسلطة، أصبحت الممارسات اليومية أكثر عرضة للمقارنة مع المبادئ التي ترفعها

وهذه المقارنة لا تجري داخل النخب فقط، بل داخل المجتمع نفسه, فالمواطن يقارن بين ما يسمعه في المنابر وما يراه في المدرسة والسوق والمستشفى ومراكز الاحتجاز.

أمراء الحرب

الحرب الطويلة لا تنتج مقاتلين فقط، بل تنتج أيضاً شبكات مصالح ,ومع استمرار الصراع، تتشكل طبقات مرتبطة بالإيرادات والمنافذ والمؤسسات الاقتصادية والوظائف والنفوذ الأمني ,هذه الشبكات تستفيد من استمرار الوضع القائم، بينما يدفع المواطن كلفة استمرار الحرب.

يقول المواطن قاسم «الوعل اليمني»: «اقتصاد الحرب يخلق مستفيدين من الفوضى، وهؤلاء يصبحون مع الوقت جزءاً من المشكلة، لأن مصالحهم ترتبط باستمرار تدفق الأموال لا بعودة المؤسسات إلى العمل الطبيعي

الحاضنة المتآكلة

لا يمكن لأي سلطة مسلحة أن تعتمد إلى الأبد على القوة وحدها ,قد يخضع المواطن خوفاً من الاعتقال ,وقد يدفع خوفاً من المصادرة .وقد يصمت خوفاً من فقدان مصدر رزقه لكن الخضوع شيء والقبول شيء آخر.

توكد المعلمة امه العليم لـ«الوعل اليمني»: القبول الشعبي لا يقاس بعدد المشاركين في الفعاليات أو بحجم الحشود التي تظهر في المناسبات، بل بقدرة السلطة على جعل المواطن يشعر بأن الدولة تعمل لمصلحته

لكن استمرار السيطرة لا يعني غياب عوامل التآكل “نزيف عسكري. أزمة مالية واقتصاد جباية تجنيد متواصل, قمع أمني تراجع الخدمات ,تآكل الثقة ,واتساع الفجوة بين القيادة والمجتمع

فالمليشيات تواجه اليوم مجتمعاً أنهكته الحرب، واقتصاداً يستنزف المواطنين، وجبهات تستهلك المقاتلين، ومدارس تدخل تدريجياً في دائرة التعبئة، وأجهزة أمنية توسع نطاق الرقابة والاعتقال.

وفي المقابل، تتسع طبقة المستفيدين من اقتصاد الحرب، بينما تزداد معاناة الفئات التي تتحمل كلفة استمرار الصراع ,فالسقوط السياسي لا يبدأ بالضرورة من انهيار الجبهة.

أحياناً يبدأ من مكان أبسط بكثير ,من مواطن لم يعد يصدق الشعارات، ومن موظف لم يعد ينتظر الراتب، ومن أسرة تخشى على أبنائها، ومن مجتمع يتوقف عن رؤية سلطة الأمر الواقع باعتبارها مستقبله.