كشفت تقارير أميركية وبحثية عن مؤشرات على توسع شبكة النفوذ المرتبطة بإيران إلى السودان، عبر دور محتمل لجماعة الحوثيين في نقل الأسلحة والخبرات العسكرية وتدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني، في تطور قد يفتح مساراً جديداً لنشاط ما يُعرف بـ«محور المقاومة» في منطقة البحر الأحمر.
وقالت مجلة «فورين أفيرز»، في تقرير حديث، إن الجماعات التي تلقت دعماً وتدريباً من إيران على مدى سنوات باتت تمتلك قدرات تمكنها من نقل بعض خبراتها إلى أطراف أخرى، مشيرة إلى الحوثيين باعتبارهم أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول.
وبحسب تقرير بحثي صادر عن «سنتشري إنترناشونال»، فإن عناصر حوثية يُعتقد أنها وصلت إلى السودان لتدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش على تصنيع الطائرات المسيّرة واستخدامها، إلى جانب عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن مسؤولين إقليميين وغربيين.
وتشير التقارير إلى أن النشاط الحوثي المحتمل يتركز في بورتسودان ومناطق أخرى، وسط مؤشرات على تعمق العلاقات مع شخصيات وشبكات إسلامية مرتبطة بالجيش السوداني، تعود جذور بعضها إلى فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير.
من السلاح الجاهز إلى نقل الخبرة
وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من احتمال انتقال الدعم الإيراني للسودان من تزويد الجيش بأسلحة وطائرات مسيّرة جاهزة إلى نقل المعرفة اللازمة لتصنيع وتشغيل هذه الأسلحة محلياً.
وكانت وكالة «رويترز» قد ذكرت في أبريل 2024 أن الجيش السوداني استخدم طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، بينها طائرات «مهاجر-6»، خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
كما تحدثت تقارير عن رحلات شحن إيرانية إلى السودان، بالتزامن مع استعادة الخرطوم وطهران علاقاتهما الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة.
وتشير التقارير الجديدة إلى أن التعاون قد يكون تجاوز مرحلة نقل الأسلحة الجاهزة، ليصل إلى تدريب عناصر محلية على تطوير قدراتها الخاصة.
«سفروق» تثير تساؤلات
ومن بين المؤشرات التي تستند إليها التقارير ظهور طائرة مسيّرة سودانية باسم «سفروق»، عُرضت خلال معرض دفاعي في إسطنبول عام 2025، ولاحظ خبراء أسلحة أوجه تشابه بينها وبين الطائرة الإيرانية «أبابيل-T».
وتكتسب هذه المقارنة أهمية في ظل امتلاك الحوثيين خبرة في تطوير طائرات مسيّرة مشتقة من تصاميم إيرانية، بينها طائرة «قاصف-2K».
وبحسب تقرير «سنتشري إنترناشونال»، فإن أوجه التشابه في التصميم، إلى جانب المعلومات المتعلقة بوجود مدربين حوثيين وإيرانيين في السودان، تثير تساؤلات حول احتمال انتقال بعض الخبرات التي طورتها الجماعة في اليمن إلى فصائل سودانية متحالفة مع الجيش.
ممر عبر البحر الأحمر
ولا تقتصر التقارير على التدريب، إذ تتحدث أيضاً عن استخدام الحوثيين في نقل شحنات أسلحة إيرانية إلى السودان، بما قد يشير إلى تشكل مسار إمداد عبر البحر الأحمر يربط شبكات إيران في اليمن بشركائها في السودان.
ويمنح الموقع الجغرافي للسودان أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يقع ساحله على البحر الأحمر قبالة مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، في واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية وحساسية في العالم.
كما تتزامن هذه التطورات مع تنامي دور الفصائل الإسلامية المرتبطة بنظام البشير السابق في الحرب السودانية، ومن بينها كتيبة البراء بن مالك، التي شاركت في عدد من المعارك إلى جانب الجيش.
وتقول تقارير دولية إن الحرب وفرت للحركة الإسلامية السودانية فرصة لاستعادة نفوذها العسكري والسياسي بعد الإطاحة بنظام البشير عام 2019.
نفوذ إيراني يتجاوز نقل السلاح
وتطرح هذه المعطيات، إذا صحت، تحولاً مهماً في طبيعة الحضور الإيراني في السودان؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بإرسال أسلحة ومسيّرات، وإنما باحتمال نقل الخبرة والتكنولوجيا إلى جماعات محلية قادرة على إنتاج وتشغيل منظوماتها الخاصة.
كما أن وجود شبكات مرتبطة بإيران والحوثيين على الساحل السوداني يضيف بعداً إقليمياً حساساً للحرب، نظراً للأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وتشابك أمنه مع التطورات العسكرية في اليمن والسودان.
وفي حال تأكدت هذه المعلومات، فإن انتقال خبرات تصنيع المسيّرات إلى فصائل مسلحة داخل السودان قد يترك آثاراً تتجاوز الحرب الحالية، من خلال منح جماعات ذات توجهات أيديولوجية قدرات عسكرية مستقلة قد يصعب تفكيكها بعد انتهاء الصراع.
وبذلك، يرسم ما ورد في التقارير صورة لشبكة إقليمية أكثر تعقيداً، تنتقل فيها الخبرة العسكرية من إيران إلى حلفائها، ثم إلى جماعات أخرى خارج مناطق الصراع التقليدية، فيما يبدو السودان أحد أبرز المسارات الجديدة لهذا النشاط.



