مقالات

الشرعية اليمنية.. متفرجون في الشتات

الكاتب | فخر العزب

​بثت وسائل إعلام مصرية، وفي مقدمتها قناة “القاهرة الإخبارية” – التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الخميس الماضي، خبراً مفاده أن “مصدراً مسؤولاً في وزارة الخارجية اليمنية” نفى استهداف سفينة في ميناء دمياط المصري.

​اللافت في هذا التعاطي الإعلامي لم يكن الخبر بحد ذاته، بل أن القناة نقلته عن وكالة “سبأ” للأنباء بنسختها الحوثية، وأن “الخارجية” المعنية هي تلك التابعة لحكومة الجماعة في صنعاء غير المعترف بها دولياً. يُعد هذا التجاوز الصريح للحكومة الشرعية بمثابة اعتراف ضمني بسلطة الأمر الواقع، وهو سلوك يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات والدوافع.

​تتجاوز خطورة هذا التعاطي الإعلامي مجرد الهفوة الصحفية أو الخطأ المهني العابر، والذي يمكن وضعه بسهولة في خانة “الخطأ الوارد”، إذ أنها تمسّ جوهر معركة أصعب وأعمق يخوضها اليمنيّون، وهي معركة “الهوية السيادية وحرب المصطلحات”.

لقد أدركت الجماعة الحوثية منذ انقلابها في 2014 صراعات الرواية والشرعية، فعمدت استراتيجياً إلى السطو على المؤسسات الوطنية وإبقاء مسمياتها الرسمية كما هي، مثل “وزارة الخارجية اليمنية” و”وكالة سبأ للأنباء”، لخلق حالة تعتيم وتضليل مُمنهجة. الهدف من هذا الانتحال هو صناعة “تطبيع لغوي ورمزي” لدى المتلقي العربي والدولي، يُلغي تدريجياً الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة الشرعية والتكوينات الموازية الناشئة عن الانقلاب.

وهنا يقع مكمن الخطر، فعندما تسقط وسائل إعلام عربية ووازنة صفات التوصيف السياسي أو القانوني (مثل “الانقلابية” أو “المسيطر عليها حوثياً” أو “غير المعترف بها دولياً”) وتكتفي بضخ الأخبار نقلاً عن “الخارجية اليمنية” في صنعاء، فإنها تُسهم، بقصدٍ أو بسهو، في تجريد الشرعية اليمنية من حصرها الرمزي والقانوني، وإكمال عملية السلب السياسي التي بدأتها الجماعة بالقوة المسلحة، ليصل التضليل في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي برواية تُزيّف أصل الأزمة وتحرفها عن سياقها.

​سواءً كان هذا التناول الإعلامي مُتعمّداً أم ناتجاً عن سهوٍ وخطأ صحفي، فإنه يُسلط الضوء على معضلة أعمق: بعد نحو اثني عشر عاماً على الانقلاب الحوثي، لا تزال الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاجزة حتى عن شرح أبعاد أزمتها للنخب العربية، ناهيك عن الشارع العربي العام.

​إذا كان تناول “القاهرة الإخبارية” للخبر صادراً عن قصد وسياسة تحريرية موجهة، فنحن أمام تطور سياسي خطير، إذ كيف لدولة بحجم مصر، بثقلها المحوري في الأمة العربية، أن تتجه نحو شرعنة جماعة الحوثي كسلطة أمر واقع؟ إن خطوة كهذه ستضع الشرعية اليمنية في مأزق جيو-سياسي حقيقي، لا سيما أن مصر تُمثل ركناً أساسياً في المنظومة الإقليمية.

أما إذا كان التعاطي وليد الجهل بالملف اليمني، فالمصيبة أعظم، إذ كيف لمؤسسة إعلامية رئيسية أن تسقط في فخ عدم التمييز بين مؤسسات الدولة الشرعية والمؤسسات المنهوبة من قبل جماعة انقلابية؟ هذا الجهل بأساسيات الأزمة اليمنية لا يُعفي المؤسسات الإعلامية المصرية فحسب، بل يكشف قبل ذلك حجم الفشل الذريع الذي تُمنى به الدبلوماسية والإعلام التابعان للشرعية اليمنية في شرح قضية شعبها للخارج.

​تزداد المفارقة حدة إذا ما علمنا أن القاهرة هي العاصمة الأولى التي تحتضن الكتلة الأكبر من قيادات الشرعية اليمنية ومؤسساتها، حيث يقيم فيها عدد غير قليل من مستشاري الرئاسة، والوزراء، والبرلمانيين، وقيادات الأحزاب، إلى جانب المئات من الناشطين والإعلاميين. يضاف إلى ذلك أن السفارة اليمنية في القاهرة تعد من أكبر البعثات الدبلوماسية كادراً، وتتبعها مراكز وملحقيات ثقافية وإعلامية متعددة.

​غير أنه، وعلى مدار عقد من الزمان، تحولت الإقامة في الخارج بالنسبة لكثير من هذه القيادات والمسؤولين والناشطين المحسوبين على الشرعية من “حالة اضطرارية ومرحلة نفي مؤقتة لمواجهة الانقلاب”، إلى نمط حياة مستقر ووظيفة دائمة مريحة تُدرّ أجوراً ومخصصات ضخمة بالعملة الصعبة تحت مسمى “الإعاشة”. هذا الاستقرار المالي والمادي في فنادق وعواصم القرار، وفي مقدمتها القاهرة والرياض، تسبب في قطع أواصر الارتباط بالداخل اليمني ومعاناته الميدانية.

لقد أدت حالة الأمان المادي في الشتات إلى اكتفاء هذه النخب بدور “المتفرج المقيم”، ما أفرغ العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي من فاعليته، وتحولت المؤسسات والبعثات اليمنية في الخارج إلى تكتلات تتربص بالمكاسب الوظيفية بدلاً من أن تكون خط دفاعٍ عن القضية الوطنية. وفي ظل هذا الواقع، بات طبيعياً أن تعجز هذه المنظومة المتضخمة حتى عن التأثير في بيئة البلدان المضيفة أو التصدي للروايات المضللة التي تجرف شرعيتها يومياً.

​إن هذه المعضلة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لفشل مستمر للنخب السياسية والإعلامية اليمنية منذ سبتمبر/ أيلول 2014. وتتجلى نتائج هذا الفشل في حالة الفصام التي تعيشها بعض الشخصيات والنخب العربية، من تيارات إسلامية وقومية، والتي تطل بين الحين والآخر بمدائح وإشادات بـ “جماعة الحوثي”.

​تكشف إشادات بعض النخب العربية هذه عن أزمة عميقة في الوعي السياسي العربي، تكمن في الغرق خلف “الشعار العاطفي” وإغفال “الواقع الميداني التجريفي”.

لقد أتقنت الجماعة الحوثية استغلال قضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتصدير بروباغندا إعلامية موجهة للخارج، تخاطب العاطفة العربية وتتستر بالشعارات العريضة، بينما تمارس في الداخل سياسة التجريف الشامل لكيان الدولة والجامع الوطني. وفي المقابل، تقع هذه النخب في فخ “الأمية السياسية” بالملف اليمني، إذ تكتفي بمتابعة الشاشات وتغض الطرف عن المعاناة اليومية لليمني المكتوي بسلطة الأمر الواقع.

إن هناك تناقضاً صارخاً بين ما يراه المتابع العربي في خطابات الشاشات، وبين ما يعيشه المواطن اليمني واقعاً تحت سيطرة الجماعة: من تجريف لمؤسسات الدولة، وقمع للحريات، وفرض للجبايات المالية الشاقة، إلى تغيير المناهج التعليمية وتطييف المجتمع.

ولا يتوقف اللوم هنا عند حدود السطحية الفكرية لتلك النخب، بل يرتد أساساً إلى الإعلام الشرعي، الذي فشل تماماً في صناعة خطاب إنساني وسياسي ووطني يوازي حجم المأساة، وعجز عن تحويل معركة المواطن اليمني اليومية وحقوقه المسلوبة إلى قضية رأي عام عربي يُحاكم سلوك الجماعة بأفعالها على الأرض، لا بشعاراتها في الهواء.

​إن الثناء الصادر من أشكال وشخصيات فكرية وسياسية محسوبة على النخب العربية يمثل تناقضاً صارخاً، ويفصح عن جهل مركب بالطبيعة الأيديولوجية والسلوك الإجرامي للجماعة على الأرض. كما أنه ينزل كالصدمة على المواطن اليمني المتضرر يومياً من الحرب والانقلاب، إذ لا يرى في هذه المدائح مجرد مجاملات سياسية عابرة، بل طعنة في خاصرة شعب يكتوي بنار هذه الحرب منذ أكثر من عقد.

إن معالجة هذه المعضلة تبدأ بإعادة هيكلة حازمة للسلكين الدبلوماسي والإعلامي وإنهاء حالة التضخم ووظائف “الإعاشة” الصورية، مروراً بتأسيس مركز معلومات يمني موحد يُفكك روايات الانقلاب ويزوّد الإعلام العربي بالحقائق أولاً بأول، وصولاً إلى تفعيل دبلوماسية شعبية نافذة التأثير في عواصم الشتات. إن استعادة الثقل السياسي لا تنتظر تعاطف الآخرين، بل تبدأ من بناء مشروع دولة حي يُثبت للعالم أن الشرعية ليست مجرد لافتة تُدار من الفنادق، بل هي خط الدفاع الأول عن رمزية الأمة وتطلعات الشعب.