مقالات

الجيل المفقود في اليمن

 

الكاتب| خليل مثنى العمري

هالني ما شاهدته من اعترافات الخلية الحوثية التي نفذت اغتيال الصحفي محمد عيضة في حضرموت. أحد أفراد الخلية، شاب لا يتجاوز عمره 22 عاماً، اعترف بأنه شارك في متابعة الضحية وتنفيذ العملية بلصق لغم في سيارته، دون أن يعرف حتى هوية الشخص المستهدف، مقابل ثلاثمائة ألف ريال، أي ما يقارب 200 دولار فقط.

تكشف هذه الحادثة عن مأساة أعمق بكثير من تفاصيلها الصادمة، في بلد أغلب سكانه من الشباب، وأغلب هؤلاء الشباب يعيشون في مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. الحرب في كل اليمن والعيش تحت سلطة المليشيا بشكل خاص يعيدان تشكيل وعي وقيم الشباب لينتجا ما يعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ”الجيل المفقود” أي الجيل الذي تشكلت طفولته وشبابه تحت وطأة الحرب، وفقد كثيراً من الفرص التي كان يمكن أن تصنع له ولبلده مستقبلاً مختلفاً.

هذا الجيل لا يخسر سنوات من عمره فقط، بل يخسر فرصة أن يعيش طفولة طبيعية، وأن يتلقى تعليماً جيداً ورعاية صحية مناسبة، وأن ينشأ داخل دولة لها مؤسسات وقانون. بدلاً من ذلك، يكبر في بيئة يصبح فيها العنف أمراً اعتيادياً، والسلاح جزءاً من المشهد اليومي، والانتماء لجماعات ما دون الدولة بديلاً عن مفهوم الدولة نفسه.

وفي هذا السياق، حذّرت فيرجينيا غامبا، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، من أن الفضائع والمعاناة الهائلة من المرجح أن تترك جيلاً من الأطفال والشباب اليمنيين مشوهاً ومجروحاً مدى الحياة. لكن هذا التحذير، كعادة تحذيرات الأمم المتحدة ومنظماتها، يبقى بلا استراتيجية واضحة تُترجم إلى تغيير فعلي على الأرض أو على الأقل تساهم في تغيير الواقع.

نحن أمام جيل عاش سنواته كلها في ظل الانهيار الاقتصادي والحرب. وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تعرّض جزء كبير من هذا الجيل لعمليات تعبئة فكرية واستقطاب عسكري منظم، في وقت فقدت فيه كثير من الأسر قدرتها على توجيه أبنائها بفعل الفقر والنزوح وقلة الوعي وانهيار مؤسسات الدولة.

‎واليوم تدخل الحرب في اليمن عامها الثاني عشر. وإذا استمرت ست سنوات أخرى، فسنكون أمام جيل كامل لم يعرف في حياته سوى الحرب؛ جيل وُلد فيها، وكبر فيها، وربما لن يعرف معنى الدولة، ولن يسمع بها أصلاً.

تخيّلوا طفلاً كان في العاشرة من عمره حين سقطت مؤسسات الدولة واندلعت الحرب في 2014. اليوم أصبح شاباً في أوائل العشرينات، تشكّل وعيه بالكامل وسط الفوضى والسلاح والانقسام والمليشيات والقات والبطالة. لم يختبر مؤسسات الدولة، ولا سيادة القانون ، ولا الاستقرار، ولهذا يصبح استقطابه من قبل المليشيات أسهل، لا لأنه أكثر عنفاً بطبيعته، بل لأنه لم يعرف واقعاً آخر يقارن به واقعه.

ولا تقف المشكلة عند حدود الداخل اليمني وحده. فحتى هجرة الشباب للخارج، التي ينظر إليها كثيرون كطوق نجاة، لم تعد تضمن مستقبلاً أفضل بالضرورة. آلاف الشباب اليمنيين يغادرون إلى السعودية وغيرها بحثاً عن فرصة عمل تحفظ لهم ولأسرهم كرامتهم، لكن كثيرين منهم يصطدمون بمحدودية الفرص،وعجزهم عن الاندماج في سوق العمل بسبب ضعف التأهيل والتدريب في اليمن .

ومع ذلك، يمكن القول إن الهجرة إلى السعودية ساهمت في ترميم جزء لا بأس به من الدمار النفسي الذي خلّفته الحرب في نفوس الشباب اليمني. ولو فتحت دول الخليج الأخرى أبوابها لاستقطاب هذا الشباب للعمل على غرار التجربة السعودية، لربما أسهمت في تخفيف حدة هذا الوضع الصعب الذي يعيشه ملايين من الشباب اليمني.

لا أفق واضح للوضع في اليمن، ومئات الآلاف من الشباب باتوا ضحية لواقع تسيطر عليه مليشيا تهتم بالعنف أكثر من السلام، وبالمتاريس وجيوش المقاتلين أكثر من المدارس والمشافي والجامعات ومراكز رعاية وتأهيل الشباب.