تقرير خاص
لم يعد الجوع في اليمن ضيفاً عابراً يطرق أبواب الفقراء ثم يرحل، بل أصبح مقيمًا في البيوت، حاضرًا على موائد الأسر، ينام مع الأطفال ويستيقظ مع الآباء الذين يبحثون كل صباح عن طريقة جديدة لتأمين لقمة لا تكفي.
في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، لم تعد صورة المواطن الذي يحمل كيس الخبز في يده مشهدًا عاديًا، بل أصبحت اختصارًا لمرحلة كاملة من الانهيار؛ موظف حكومي فقد راتبه، ومعلم ترك فصله الدراسي ليبحث عن عمل يومي، وأم تقسم الطعام بين أطفالها حتى لا يشعر أحدهم أن نصيبه أقل من الآخر، وطفل يتعلم مبكرًا أن الجوع ليس إحساسًا عابرًا بل واقعًا يفرض نفسه على حياته.
خلف الأرقام التي تصدرها المنظمات الدولية توجد قصص بشرية لا تظهر في التقارير. هناك أسر أطفأت مصابيحها مبكرًا ليس توفيرًا للكهرباء فقط، بل لأنهم لا يريدون أن يرى أطفالهم مطبخًا فارغًا. وهناك آباء يختلقون الأعذار أمام أبنائهم عندما يسألون عن سبب غياب الطعام.
الجوع في اليمن لم يعد مجرد أزمة غذائية، بل تحول إلى اختبار يومي لقدرة الإنسان على الصمود.
صرخة من الداخل
لسنوات طويلة ظل كثير من أنصار جماعة الحوثي يرفضون الاعتراف بحجم الأزمة في مناطق سيطرتها، لكن المشهد تغير عندما بدأت أصوات من داخل البيئة المؤيدة للجماعة نفسها تتحدث عن الفقر والجوع.
كان من أبرز تلك الأصوات الناشط الإعلامي لطف الفتاحي، المقرب من الجماعة، الذي ظهر في تسجيل مصور يوجه نداء استغاثة بسبب ظروفه المعيشية.
قال الفتاحي في المقطع:”أنا جائع وأطفالي جائعون. ننام ونحن جوعى ونصحو ونحن كذلك”.وأضاف أنه لم يعد يجد ما يكفي أسرته، وأن منزله أصبح بلا مواد غذائية أساسية، قائلاً إنهم وصلوا إلى مرحلة البحث عن أي شيء يسد الجوع.
وبحسب روايته، فإنه حاول التواصل مع مسؤولين حوثيين لطلب المساعدة، لكنه قال إنه تلقى تهديدات إذا تحدث عن معاناته أمام الإعلام.
هذه الصرخة لم تكن مجرد شكوى فردية، بل كشفت عن اتساع دائرة الأزمة إلى فئات كانت في السابق جزءًا من البيئة الداعمة للجماعة.
الجوع لا يميز
في أحد أحياء صنعاء، يجلس موظف حكومي سابق أمام منزله المتواضع، ينظر إلى الشارع بصمت قبل أن يبدأ الحديث عن السنوات التي تغيرت فيها حياته.
يقول لموقع الوعل اليمني “كنت أخرج إلى عملي وأنا أعرف أن راتبي سيصل في نهاية الشهر، وكانت أسرتي تعرف أن هناك من يعيلها. اليوم أخرج ولا أعرف هل سأعود بمبلغ يكفي لشراء الطعام أم لا”.
كان الرجل يعمل في قطاع حكومي، لكنه اضطر بعد توقف راتبه إلى البحث عن أعمال مؤقتة.
يحمل البضائع في الأسواق، ويعمل ساعات طويلة مقابل أجر بسيط، لكنه يقول إن المشكلة لم تعد في العمل فقط:
“حتى من يعمل لم يعد يستطيع مجاراة الأسعار”.هذه القصة تتكرر بأشكال مختلفة في آلاف المنازل اليمنية؛ موظفون تحولوا إلى عمال يوميين، وأكاديميون يبحثون عن مصادر دخل إضافية، ومعلمون يبيعون ممتلكاتهم لتغطية احتياجات أسرهم.
أبواب الفقر
كان المعلم في المجتمع اليمني رمزًا للاستقرار، لكنه أصبح اليوم من أكثر الفئات تضررًا.في صنعاء وإب ومدن أخرى، اضطر كثير من المعلمين إلى ترك مهنة التعليم مؤقتًا أو البحث عن أعمال إضافية بسبب تدهور وضعهم الاقتصادي.
يقول أحد المعلمين:” كنت أشرح للطلاب معنى الكرامة، واليوم أبحث عن طريقة حتى لا أطلب من أحد أن يساعدني”.
ويضيف:”أصعب لحظة عندما يسألني ابني لماذا لا نشتري مثل بقية الأطفال، ولا أجد إجابة”.وتقول أسر معلمين إنهم اضطروا إلى تقليص احتياجاتهم الأساسية، وتأجيل العلاج، وشراء كميات قليلة من الطعام يومًا بيوم.
طوابير الإذلال
في محافظة إب، حملت صور الطوابير أمام المطابخ الخيرية رسالة أقسى من أي تقرير.نساء ورجال يقفون لساعات طويلة للحصول على وجبة إفطار بسيطة. بينهم موظفون سابقون، ومعلمون، وأسر كانت قبل سنوات قادرة على إعالة نفسها.
تقول امرأة وقفت في أحد الطوابير:”لم نكن نطلب مالاً ولا رفاهية، كنا نريد فقط أن نعيش دون أن نمد أيدينا”.
وتضيف:”أصعب شيء أن يرى أطفالك الآخرين يأكلون وأنت لا تستطيع توفير نفس الشيء لهم”. تحولت هذه المشاهد إلى رمز لاتساع الفقر في محافظة كانت تعرف تاريخيًا بأنها من المحافظات التي تستضيف المحتاجين وتقدم المساعدة للآخرين.
أسواق بلا مشترين
في أسواق صنعاء، لم تختفِ السلع، لكنها فقدت كثيرًا من المشترين.التجار يقولون إن حركة البيع تراجعت بشكل واضح، وإن المواطنين أصبحوا يشترون بكميات صغيرة جدًا.رب أسرة كان يشتري كيس الأرز والزيت والدقيق للشهر كاملًا، أصبح يشتري ما يكفي أيامًا قليلة.
يقول أحد الباعة:”الناس لا تسأل عن النوعية الآن، بل عن الأرخص فقط، وبعضهم يأتي ويسأل عن سعر السلعة ثم يغادر لأنه لا يستطيع شراءها”.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن المشكلة الأساسية لم تعد توفر الغذاء فقط، وإنما انهيار القدرة الشرائية للأسر.
اقتصاد يطحن الأسر
يرى اقتصاديون أن أزمة الجوع الحالية جاءت نتيجة تراكمات طويلة شملت الحرب، وتراجع النشاط الاقتصادي، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع الأسعار.
ويشير خبراء إلى أن استمرار الجبايات والرسوم غير الرسمية والقيود على النشاط التجاري أدى إلى زيادة تكاليف السلع وانتقال العبء إلى المستهلك النهائي.
وقال الأكاديمي الاقتصادي الدكتور محمد باعامر إن تدهور الوضع المعيشي وصل إلى فئات كانت محسوبة على الجماعة نفسها، موضحًا أن الأزمة لم تعد مقتصرة على طرف سياسي معين، بل أصبحت تمس شرائح واسعة من المجتمع.
وأضاف أن تراجع مصادر الدخل وارتفاع الالتزامات المالية على المواطنين جعلا كثيرًا من الأسر غير قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية.
أرقام تكشف الكارثة
تؤكد تقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة أن اليمن يواجه واحدة من أكبر أزمات انعدام الأمن الغذائي في العالم.
وأظهرت بيانات أممية أن نسبة كبيرة من الأسر اليمنية واجهت صعوبات في توفير الغذاء، فيما سجلت مناطق سيطرة الحوثيين مستويات مرتفعة من الحرمان الغذائي.
كما أشارت التقارير إلى أن نحو 10 في المائة من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين اضطرت إلى قضاء يوم كامل وليلة كاملة دون طعام بسبب نقص الغذاء.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار تراجع الدخل وتقليص المساعدات الإنسانية قد يدفع ملايين اليمنيين إلى مستويات أشد خطورة من الجوع.
أطفال يدفعون الثمن
في نهاية كل أزمة، يكون الأطفال هم الضحية الأكبر.الجوع لا يظهر فقط في شكل طفل يبحث عن الطعام، بل يظهر في طفل يترك المدرسة، أو طفل يعاني من سوء التغذية، أو طفل يكبر وهو يرى الفقر كأنه جزء طبيعي من الحياة.
تقول أم لثلاثة أطفال في صنعاء:”أستطيع تحمل الجوع، لكن لا أستطيع رؤية أطفالي يسألونني عن الطعام ولا أملك لهم شيئًا”.
وتضيف:”أحيانًا أنام وأنا أقول لهم إن الطعام سيأتي غدًا، وأنا لا أعرف ماذا سأفعل غدًا”.في الوقت الذي ترتفع فيه الاحتياجات الإنسانية، تواجه برامج الإغاثة تحديات كبيرة بسبب نقص التمويل والقيود المفروضة على العمل الإنساني.
وتحذر المنظمات الدولية من أن تراجع الدعم قد يترك ملايين الأسر أمام خيارات صعبة، خصوصًا النازحين والأطفال والنساء.
بين الجوع والخوف
لا يعيش اليمنيون أزمة غذاء فقط، بل أزمة خوف أيضًا؛ خوف من الحديث عن المعاناة، وخوف من فقدان مصدر الدخل، وخوف من المستقبل.
ويقول ناشطون إن كثيرًا من المواطنين يتجنبون الحديث علنًا عن أوضاعهم بسبب مخاوف أمنية، رغم أن الأزمة أصبحت واضحة في الأسواق والمنازل والشوارع.
في اليمن، لم يعد السؤال اليوم: ماذا سنأكل غدًا؟ بل أصبح: هل سنجد شيئًا نأكله؟
من صنعاء إلى إب، ومن البيوت الفقيرة إلى صفوف المنتظرين أمام المطابخ الخيرية، تتكرر القصة ذاتها؛ شعب أنهكته الحرب، وأسر تحاول النجاة يومًا بعد آخر.
الجوع لا يظهر فقط في الأرقام، بل في عيون الأمهات، وفي صمت الآباء، وفي أطفال يتعلمون مبكرًا معنى الحرمان.وبينما تستمر الأزمة، يبقى المواطن اليمني عالقًا بين واقع اقتصادي قاسٍ وحاجة إنسانية متزايدة، منتظرًا يومًا تعود فيه أبسط الحقوق: أن يحصل الإنسان على لقمة عيشه بكرامة.



