فلسطين_ الوعل اليمني
لم يكن تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026 حدثًا رياضيًا عابرًا بالنسبة للفلسطينيين، بل تحول إلى مناسبة امتزجت فيها فرحة كرة القدم برسائل الامتنان لمواقف مدريد الداعمة للقضية الفلسطينية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.
فور إطلاق صافرة نهاية المباراة النهائية التي حسمها المنتخب الإسباني أمام الأرجنتين بهدف دون رد بعد التمديد، خرج فلسطينيون في قطاع غزة ومدن الضفة الغربية للاحتفال باللقب، معتبرين أن انتصار “الماتادور” يحمل بعدًا رمزيًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وتوج المنتخب الإسباني بكأس العالم للمرة الثانية في تاريخه، بعدما سجل فيران توريس هدف الفوز في الدقيقة 106 إثر تمريرة رأسية من نيكو ويليامز، في نهائي احتضنته الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ضمن أول نسخة من البطولة بمشاركة 48 منتخبًا.
تهنئة رسمية
على المستوى الرسمي، بعث الرئيس الفلسطيني محمود عباس برقيتي تهنئة إلى ملك إسبانيا فيليبي السادس ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز، معربًا عن تمنياته للشعب الإسباني بمزيد من التقدم والنجاح، ومعتبرًا أن التتويج جاء ثمرة للجهد والمثابرة.
وتأتي هذه التهنئة في ظل العلاقات المتنامية بين فلسطين وإسبانيا، التي برزت خلال السنوات الأخيرة عبر مواقف سياسية داعمة للحقوق الفلسطينية، شملت الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، والمطالبة بوقف الحرب على قطاع غزة، والدعوة إلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، إلى جانب رفع قيمة المساعدات التنموية المقدمة للفلسطينيين.
فرحة بطعم الوفاء
وفي قطاع غزة، حيث تتواصل الحرب والدمار، تحولت المقاهي والساحات التي نُصبت فيها شاشات عرض كبيرة إلى مساحات نادرة للفرح، بعدما تجمع مئات الفلسطينيين لمتابعة المباراة النهائية رغم انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى وسائل المشاهدة داخل المنازل والخيام.
ومع إعلان فوز إسبانيا، ارتفعت الهتافات والأعلام الإسبانية والفلسطينية معًا، بينما وثقت مقاطع مصورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد احتفال شبان وأطفال، في لحظات وصفها ناشطون بأنها “رسالة وفاء لمن وقف مع غزة”.
كما شهدت مدن الضفة الغربية، بينها بيت لحم والخليل ونابلس، احتفالات مماثلة، حيث جاب المشاركون الشوارع وهم يرفعون علمي فلسطين وإسبانيا، في مشهد عكس الامتنان الشعبي للمواقف الإسبانية.

مواقف لا تُنسى
ولم تقتصر التفاعلات على الشارع الفلسطيني بل امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل تؤكد أن الدعم السياسي والإنساني لإسبانيا ترك أثرًا عميقًا لدى الفلسطينيين.
وكتب الإعلامي علاء الريماوي أن نهائي كأس العالم حمل أبعادًا سياسية بالنسبة لإسرائيل، مشيرًا إلى أن وسائل إعلام ومسؤولين إسرائيليين أبدوا رغبتهم في خسارة المنتخب الإسباني بسبب مواقف مدريد المنتقدة للحرب على غزة.
بدوره، كتب الأكاديمي نضال عمرو: “عندما تلتقي شراسة الفرح بالحزن الخاضع في لحظة واحدة… مبروك إسبانيا… مبروك فلسطين”، فيما قال رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري: “من فلسطين إلى إسبانيا… نشجع من وقف معنا وساندنا ورفع علمنا عاليًا”.
كما تداول ناشطون تدوينات أكدت أن الفلسطينيين لا يحتفلون بكرة القدم فقط، وإنما يوجهون رسالة تقدير لكل من وقف إلى جانبهم في أصعب الظروف.
يامال.. رمز حاضر
وحضر اسم نجم المنتخب الإسباني لامين يامال بقوة في الاحتفالات، بعدما أعاد فلسطينيون تداول الصور والمقاطع التي ظهر فيها وهو يحمل العلم الفلسطيني خلال احتفالات نادي برشلونة بالتتويج بلقب الدوري الإسباني في مايو الماضي.
واعتبر ناشطون أن استحضار تلك اللقطات يعكس استمرار حضور المواقف الإنسانية في ذاكرة الفلسطينيين، وأن الاحتفاء بتتويج إسبانيا يمثل امتدادًا لذلك التضامن.
كما جسد رساما الكاريكاتير الفلسطينيان علاء اللقطة ومحمد سباعنة هذا المعنى في أعمال فنية ربطت بين كأس العالم والعلم الفلسطيني، وأظهرت لاعبي المنتخب الإسباني وهم يرفعون العلم الفلسطيني في رمزية لافتة.

رسائل من مدريد
وامتدت مظاهر التضامن إلى داخل إسبانيا، حيث تداول مستخدمون صورًا لمشجعين رفعوا العلم الفلسطيني خلال احتفالات التتويج في العاصمة مدريد، فيما نشر الممثل الإسباني الحائز على جائزة الأوسكار خافيير بارديم رسالة هنأ فيها منتخب بلاده، مشيدًا بقيمه الإنسانية، ومرفقًا بصورة لأحد لاعبي المنتخب وهو يحمل العلم الفلسطيني.
وتأتي هذه المشاهد في وقت تواصل فيه الحكومة الإسبانية تبني مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، كان أبرزها الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وفرض إجراءات على إسرائيل شملت حظر تصدير السلاح، ومنع عبور شحنات عسكرية عبر الأراضي الإسبانية، وفرض قيود على التعامل مع المستوطنات.
وفي ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يرى فلسطينيون أن الاحتفاء بتتويج إسبانيا لم يكن مجرد احتفال رياضي، بل رسالة امتنان لشعب ودولة اختارا الوقوف إلى جانب حقوقهم، مؤكدين أن المواقف الإنسانية تبقى حاضرة في الذاكرة، حتى وسط أصعب الظروف.



