كشفت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، في تقرير حقوقي بالغ الخطورة، اليوم الخميس، عن أدلة وإثباتات جديدة ومروعة توثق ارتكاب قوات الدعم السريع لانتهاكات جسيمة وممنهجة ضد المدنيين في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.
وأكد التقرير الأممي الذي عرضه المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن هذه الفظائع الموثقة تتجاوز تصنيف الانتهاكات العادية لتقدم مؤشرات واضحة ودلائل قاطعة على وقوع جريمة “إبادة جماعية” وتطهير عرقي، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة لوقف تدهور الأوضاع الإنسانية هناك.
وتضمن التقرير تفاصيل صادمة حول قيام عناصر قوات الدعم السريع بتنفيذ عمليات قتل جماعي وحشية بحق السكان، واختطاف ممنهج للنساء والفتيات، بالإضافة إلى ارتكاب جرائم اغتصاب جماعي مروعة استخدمت كسلاح في النزاع.
كما لفتت التحقيقات الأممية إلى ممارسات وحشية أخرى شملت الاحتجاز التعسفي، والتعذيب الجسدي والنفسي، واحتجاز المدنيين كرهائن مقابل فدية مالية، والإخفاء القسري؛ وهي ممارسات ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تستهدف تدمير البنية الاجتماعية والمجتمعات المحلية في إقليم دارفور.
ولم تقتصر هذه التقارير المأساوية على البعثة الأممية وحدها، بل تقاطعت بشكل وثيق مع تحقيق ميداني موسع أصدرته منظمة العفو الدولية تحت عنوان “مدينة تحت الحصار، أطفال في مرمى النيران”، والذي اعتمد على شهادات حية ومقابلات مع مئات الناجين والشهود والأطباء.
ووثق تقرير المنظمة فظائع إضافية ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، من بينها الاستهداف المباشر والمتعمد للأطفال خلال الهجمات المسلحة، واقتحام المنشآت الطبية المحمية بموجب القانون الدولي مثل مستشفى السعودي للولادة وقتل العشرات بداخله، علاوة على إجبار بعض المحتجزين على العمل القسري تحت التهديد بالقتل، ومنع وصول المساعدات الإنسانية والطبية الحيوية إلى المحاصرين داخل المدينة.
وفي سياق ذي صلة، أطلقت البعثة الأممية تحذيراً صارخاً من تكرار “سيناريو الفاشر المأساوي” في مناطق سودانية أخرى، مشيرة إلى أن أنماطاً مشابهة جداً من الحصار والقصف المدمر عبر الطائرات المسيرة والانتهاكات الواسعة بدأت تلوح في الأفق وتُرتكب حالياً ضد المدنيين في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، والتي تضم أكثر من نصف مليون شخص يواجهون ظروفاً أشبه بالحصار وانقطاعاً كاملاً للخدمات الأساسية والمياه والوقود.
وبناءً على قرار عاجل من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أعلن رئيس بعثة تقصي الحقائق، محمد شاندي عثمان، عن إطلاق تحقيق فوري وعاجل في التجاوزات المزعومة بمدينة الأبيض، مطالباً المحكمة الجنائية الدولية والمجتمع الدولي بالتحرك السريع لتفعيل آليات المحاسبة الفعالة ومنع وقوع كوارث إنسانية جديدة وإبادة جماعية وشيكة.



